في 2026/06/15
طه العاني - الخليج أونلاين
تتجه السعودية وتركيا إلى تسريع مشروع ربط سككي عابر للحدود، في وقت تتزايد فيه الضغوط على الممرات البحرية التقليدية، وتتسارع المنافسة على طرق التجارة بين آسيا وأوروبا.
ويعكس المشروع رهاناً مشتركاً على تطوير ممرات برية بديلة تعزز مرونة سلاسل الإمداد، وتدعم توجه السعودية لترسيخ موقعها مركزاً لوجستياً عالمياً ضمن "رؤية 2030"، فيما تراهن تركيا على توسيع اتصالها التجاري بأسواق الخليج وتعزيز موقعها بوابةً نحو أوروبا.
ممرات بديلة
وتسارعت خلال الأيام الماضية، التحركات السعودية التركية لدفع مشروع الربط السككي بين البلدين، بعدما وقّعت الرياض وأنقرة، في 9 يونيو 2026، مذكرتي تفاهم في مجالي النقل البري والربط الحديدي، ضمن مساعٍ تستهدف تطوير ممرات نقل إقليمية تربط الخليج بتركيا وصولاً إلى أوروبا.
وقالت صحيفة "الاقتصادية" السعودية إن وزير النقل والبنية التحتية التركي عبد القادر أورال أوغلو، كشف عن توجه لتشكيل لجنة رباعية تضم وزراء النقل في السعودية وتركيا والأردن وسوريا؛ لمتابعة مشروع السكك الحديدية وتنسيق الخطوات التنفيذية الخاصة به.
وأوضح الوزير التركي أن السعودية أنجزت شبكتها الحديدية حتى الحدود الأردنية، فيما أكملت تركيا شبكاتها حتى الحدود السورية، مشيراً إلى أن الأعمال المتبقية تتركز في سوريا والأردن، مع استمرار الدراسات الفنية المرتبطة بالمشروع.
وفي تصريحات خاصة لـCNBC عربية، في 10 يونيو، أكد أورال أوغلو أن الجانبين توصلا إلى تفاهم مشترك في مجالي الطرق والسكك الحديدية، موضحاً أن إنجاز المشاريع المطروحة قد يستغرق نحو ثلاث سنوات إذا تمت إدارة العملية بالشكل المناسب.
وأضاف أوغلو أن التطورات الإقليمية الحالية تفرض تسريع العمل على ممرات نقل بديلة تضمن استمرارية التجارة وسلاسل الإمداد، خصوصاً مع التحديات التي تواجه النقل البحري في المنطقة.
تكامل إقليمي
ويتحرك المشروع المرتقب ضمن توجه سعودي أوسع لتوسيع شبكات الربط الإقليمي وتعزيز كفاءة البنية التحتية اللوجستية، بما يدعم حركة التجارة والنقل بين الخليج والأسواق الدولية.
وكان وزير النقل والخدمات اللوجستية صالح الجاسر، أكد في تصريحات لـ"العربية" خلال أبريل الماضي، استكمال دراسة مشروع الربط السككي مع تركيا عبر الأردن وسوريا قبل نهاية العام الجاري، موضحاً أن المشروع سيدعم التكامل الإقليمي وحركة التجارة المستدامة.
وأشار الجاسر إلى أن الشبكة السعودية للسكك الحديدية تمتد حالياً إلى الحدود الأردنية عبر منفذ الحديثة، ما يمنح المملكة نقطة ارتكاز استراتيجية للتوسع نحو الربط الإقليمي.
وتمتلك السعودية خط "الرياض - القريات" التابع للشركة السعودية للخطوط الحديدية "سار"، والذي يمتد لأكثر من 1200 كيلومتر وصولاً إلى منطقة الحدود الشمالية، على بعد نحو 30 كيلومتراً من الحدود الأردنية.
كما يُتوقع أن يشكل المشروع امتداداً مستقبلياً لشبكة القطار الخليجية، بما يتيح إنشاء ممر سككي متصل يبدأ من تركيا مروراً بسوريا والأردن وصولاً إلى السعودية، ثم إلى بقية دول الخليج.
وتتضمن مذكرتا التفاهم التعاون في مجالات مواصفات وتقنيات السكك الحديدية، وتبادل الخبرات المتعلقة بالتصميم والتشغيل والصيانة ومعايير السلامة، إضافة إلى دعم البحث والتطوير وتدريب الكوادر الوطنية، بما يدعم التكامل اللوجستي بين البلدين.
مكاسب تنافسية
ويؤكد الكاتب والمحلل الاقتصادي سعيد خليل العبسي أن مشروع ربط السكك الحديدية بين السعودية وتركيا يمثل خطاً شريانياً قادراً على تغيير خريطة اللوجستيات العالمية بين الخليج وأوروبا.
ويبين العبسي، في حديثه مع "الخليج أونلاين"، أن المشروع يوفر بديلاً استراتيجياً آمناً وعالي الموثوقية، يتجاوز الاضطرابات الجيوسياسية والأمنية المستمرة في المضائق البحرية الحيوية.
ويضيف أن هذا الخط يشكل ثورة غير مسبوقة في اختزال الزمن والتكلفة مقارنة بالنقل البحري التقليدي، لافتاً إلى أن الاختصار الزمني ينعكس مباشرة على تقليص التكاليف التشغيلية، وخفض رأس المال العامل المحتجز في البضائع العابرة، وتسريع دورة رأس المال للشركات والمستثمرين.
ويرى أن المشروع يرتكز على مسارين متكاملين؛ يمر الأول عبر الأردن وسوريا وصولاً إلى تركيا بهدف تأهيله لدخول الخدمة مستقبلاً، بينما يتقاطع المسار الثاني مع "طريق التنمية" العراقي ليربط ميناء الفاو الكبير بالحدود التركية وشبكة الخليج، مما يخلق شبكة أمان لوجستية متعددة الخيارات.
ويشير إلى أن هذا الممر الاستراتيجي يمنح المملكة مكاسب اقتصادية وتنافسية بالغة الأهمية تتماشى مع مستهدفات "رؤية 2030"، ليرسخ مكانتها مركزاً لوجستياً عالمياً يربط القارات الثلاث، مستفيدةً من بنيتها التحتية المتطورة للسكك الحديدية التي تصل حالياً إلى أقصى الشمال.
ويلفت المحلل الاقتصادي إلى أن الممر سيعمل باعتباره رافعةً لدعم المشاريع العملاقة والمناطق الاقتصادية الخاصة في شمال وغرب المملكة.
لكنه يوضح أن المشروع يواجه تحديات ترتبط بتفاوت جاهزية البنية التحتية بين الدول العابرة، وضرورة توحيد المقاييس الفنية وأنظمة الإشارات والاتصالات لضمان تشغيل القطارات دون عوائق حدودية.
ويؤكد العبسي أن نجاح المشروع يتطلب تجاوز العقبات التمويلية الضخمة والتحديات التنظيمية، عبر صياغة اتفاقيات جمركية موحدة، واعتماد نظام "النافذة الواحدة" الرقمي، وتوحيد تشريعات السلامة والنقل بين الدول المعنية؛ لضمان عدم تحول المنافذ إلى نقاط اختناق تفسد الجدوى الزمنية.
نفوذ لوجستي
ويتجاوز المشروع أبعاده النقلية نحو أبعاد اقتصادية وسياسية أوسع، في ظل سعي دول المنطقة إلى تطوير مسارات تجارة أكثر مرونة وتقليل الاعتماد على بعض الممرات البحرية التقليدية.
وقال الخبير السعودي في التجارة الدولية الدكتور فواز العلمي، في مقابلة مع "العربية Business" في 10 يونيو، إن مشروع الربط السككي بين السعودية وتركيا يمثل "بديلاً استراتيجياً للممرات البحرية المعرضة للمخاطر الجيوسياسية".
وأضاف العلمي أن الوصول إلى البحر المتوسط عبر تركيا يمنح الصادرات الخليجية منفذاً إضافياً نحو الأسواق الأوروبية، خصوصاً مع وصول دول الخليج إلى المركز السادس عالمياً في حجم التبادل التجاري السلعي.
ويعيد المشروع أيضاً إحياء مسار تاريخي يعود إلى عام 1908، عندما كانت شبكة سكة حديد الحجاز تربط دمشق بالمدينة المنورة مع امتدادات نحو تركيا ولبنان، قبل أن تتعرض لأضرار واسعة خلال الحرب العالمية الأولى بين عامي 1916 و1918.
لكن المشروع الجديد يركز على الربط التجاري واللوجستي أكثر من أبعاده التاريخية؛ إذ يقوم على تعزيز الربط اللوجستي والتكامل التجاري الإقليمي والاستفادة من البنية التحتية الحديثة التي أنجزتها السعودية وتركيا خلال السنوات الماضية.
وفي مارس الماضي، أعلن وزير النقل السعودي تدشين مبادرة "المسارات اللوجستية" في ميناء جدة الإسلامي، مؤكداً أن موانئ المملكة تمتلك طاقة استيعابية تتجاوز 17 مليون حاوية سنوياً، بما يعزز مرونة سلاسل الإمداد وحركة التجارة الإقليمية.