في 2026/06/02
(أحمد شوقي \ راصد الخليج)
مع أن صناديق الثروة السيادية في الخليج حاولت دومًا الحفاظ على ثروات النفط والغاز وتعزيزها، ونجحت في الاستثمار في أصول خارجية وأسواق دولية لتجمع ما يصل إلى خمسة تريليونات دولار لمواجهة الظروف الطارئة، إلا أنها فشلت في مواجهة الأزمة الراهنة في الحرب على إيران وتداعياتها في منطقة شرق غرب آسيا(الشرق الأوسط) وأسواق النفط والطاقة.
تقلصت صادرات المحروقات الحيوية عبر مضيق هرمز؛ وتسببت أيضا في وقف الإنتاج في منشآت منها أكبر مصفاة تابعة لشركة أرامكو داخل المملكة، ومواقع للغاز الطبيعي المسال في قطر.
يقول المحللون الاقتصاديون إن استمرار الصراع ربما يدفع وزارات المالية في الرياض وأبوظبي والدوحة والكويت إلى التحرك، مع مواجهة الحكومات ضغوطًا إضافية ناجمة عن ارتفاع تكاليف الدفاع واضطراب الإمدادات، بدءا من الغذاء وحتى الأدوية، فضلا عن التباطؤ الاقتصادي الأوسع الذي قد ينجم عن ذلك. مع أن اقتصادات الخليج حاولت السعي إلى تقليص اعتمادها على مواردها الطبيعية، لكنها – مع الأسف- ما تزال تعتمد بشكل رئيسي على المحروقات لدعم ماليتها العامة.
لكن الأمر المسكوت عنه، إلى حد كبير داخل دولنا الخليجية، هو أمر خطير وبحاجة إلى المراجعة، لأنه لا يتعلق بالظروف الخارجية، أو بنمط الاقتصاد الكلي فقط، ولكنه على علاقة بالشفافية. في العام 2021، سجلت الصناديق السيادية الخليجية أسوأ أداء في الحوكمة والشفافية مقارنة بأقرانها في الدول الأخرى، وفقًا لدراسة نشرتها منصة "غلوبال إس دبليو اف" المتخصصة بتحليل صناديق الثروات. كما ذكرت وكالة "بلومبرغ" أن الدراسة السنوية صنفت الصناديق السيادية لدول المنطقة، بحسب التزامها بالحوكمة والاستدامة والمرونة، وأنها شملت 70 صندوق ثروة سياديًا و30 صندوق تقاعد حول العالم.
كما توصلت الدراسة إلى أن "الصناديق الثلاثة الكبرى، في الشرق الأوسط، تزداد سوءًا في معيار الثقة"، في إشارة إلى صناديق استثمار أبوظبي وقطر والكويت.
الإمارات أنموذجًا
لكن الأعين تركزت، مؤخرًا، على الصناديق الإماراتية، بسبب حجم الأزمة مقارنة بما حققته الإمارات من تقدم في المؤشرات الاقتصادية في الأعوام الماضية. إذ خلصت دراسة تحليلة مهمة إلى أن الحرب الأمريكية - الإسرائيلية على إيران وضعت الاقتصاد الإماراتي أمام تحديات مالية واستثمارية متزايدة، على الرغم من امتلاك الدولة أكبر منظومة صناديق سيادية في العالم العربي.
كذلك أوضحت الدراسة أن الإمارات؛ على الرغم من تصدرها المرتبة الأولى عربيًا والرابعة عالميًا في حجم الاستثمارات العامة بأصول تبلغ 3.083 تريليون دولار، بعد الولايات المتحدة والصين واليابان، واستحواذ الصناديق السيادية وحدها على نحو 2.695 تريليون دولار، أي ما يعادل 87% من إجمالي الاستثمارات العامة للدولة، إلا أن الثروة السيادية الإماراتية ليست موزعة بصورة متوازنة بين الإمارات السبع، حيث تتركز بصورة شبه كاملة في أبوظبي ودبي، بينما تمتلك إمارات أخرى صناديق محدودة التأثير أو شبه هامشية، ما يكشف وجود تفاوت اقتصادي كبير داخل الدولة الاتحادية نفسها.
لعل أبرز نقاط الضعف، في النموذج الاستثماري الإماراتي، هو غياب الشفافية الكافية في الأداء المالي الحقيقي للصناديق السيادية. إذ لا تنشر معظم هذه الصناديق بيانات تفصيلية أو تقارير سنوية شاملة تسمح بتقويم أدائها بصورة دقيقة، في حين تكتفي ببيانات عامة يغلب عليها الطابع الدعائي، وفقًا لوصف الدراسة.
بالطبع هناك ربط بين ما رصدته هذه الدراسة، وغيرها، وبين التداعيات الاقتصادية للحرب على إيران. إذ تكاد تجمع التقارير أن الإمارات كانت من أكثر دول الخليج تأثرًا بالصراع العسكري، سواء نتيجة التهديدات الأمنية المباشرة أم بسبب التأثيرات الاقتصادية الواسعة على قطاعات الطاقة والسياحة والاستثمار.
كما كشف إغلاق مضيق هرمز هشاشة الاعتماد الإماراتي على ممرات تصدير النفط، حيث اضطرت الدولة للاعتماد على خط الأنابيب الواصل إلى ميناء الفجيرة، والذي لا يستطيع استيعاب الصادرات النفطية الإماراتية كلها. تواجه الآن هذه الصناديق السيادية الخليجية، بشكل عام، معادلة صعبة بين الوفاء بالتزامات استثمارية خارجية ضخمة، وخاصة تجاه الولايات المتحدة، وبين الحاجة إلى توجيه موارد أكبر نحو قطاعات الدفاع والطاقة والغذاء والبنية التحتية داخل الدولة.
نحن بحاجة، إذًا، إلى العمل على مستويين متوازيين وبتزامن دقيق: الأول يتعلق بضبط العلاقات الاستراتيجية مع الجيران وعدم الانجرار لصراعات مدمرة للاقتصاد الخليجي. أما الثاني؛ فيتعلق بإعادة النظر في إدارة الصناديق السيادية وتحسين مستوى الحوكمة والشفافية للحفاظ على سمعة الاقتصاد الخليجي، وللحصول على منافع هذه الصناديق وفقا لفلسفة إنشائها.