علاقات » اميركي

أموال إيران المجمدة.. تعويضات أم فخ ملغوم؟

في 2026/06/09

(أحمد شوقي\راصد الخليج) 

مؤخرا صدرت تقارير مقلقة، رغم محاولة إكسابها صفة التبشير بتعويض الخليج عن أضرار الحرب، وهي التقارير التي أفادت بأن الحكومة الأميركية ستسعى إلى مصادرة جزء من أصول الأموال الإيرانية المجمدة وتوجيهها إلى دول الخليج من أجل إعادة الإعمار وإصلاح الأضرار التي تسببت فيها إيران.

وتحدثت هذه التقارير عن  إجراءات تنفيذية، حيث أفادت بأن وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت كلف فريقا بتقييم تكاليف الأضرار التي ألحقتها إيران بالفعل في الخليج، وأن الولايات المتحدة ستدرس استخدام الأصول الإيرانية لإصلاح أي دمار في المستقبل أيضاً.

ومصدر القلق هنا ينبع من أمرين، كلاهما يرتبط بالآخر:

والأول: هو أن ملف الأموال المجمدة يعد من الأولويات المتقدمة في ملفات التفاوض بين أميركا وإيران، وهو ما يعني أن سلوك المصادرة في ذاته قد يؤدي إلى انهيار التفاوض وعودة الحرب بما لها من مخاطر على أمن الخليج.

والثاني: هو أن توجيه هذه الأموال لدول الخليج سيحدث فتنة ووقيعة بين الخليج وإيران، حيث يمكن أن تعتبر إيران ذلك مشاركة في سرقة أصول الشعب الإيراني، وهو ما ينذر برد فعل عنيف له انعكاساته على العلاقات وربما يقود لإجراءات عقابية، سواء في بنك الأهداف عند تجدد القتال، أو في مضيق هرمز لتعويض ما تم سلبه من إيران.

وهنا لابد من استعراض سريع لأزمة الأموال المجمدة وكيف يمكن أن تحدث الفتنة وما هو الأفضل لدول الخليج من وجهة نظرنا لتجنب هذه الفتنة:

باختصار شديد، فإنه ومنذ أكثر من ثلاثة عقود لا تزال الكثير من الأصول والأرصدة الإيرانية مجمدة في البنوك العالمية، وتُقدر هذه الأرصدة بنحو 100  مليار دولار، وتتجاوز في بعض التقديرات 120 مليار دولار،  وهو ما يعادل ثلث الناتج المحلي الإجمالي لإيران وثلاثة أضعاف عائداتها السنوية من النفط والغاز.

وتتوزع هذه الأصول على عدة جبهات:

- الصين، بمبلغ يصل إلى 20 مليار دولار وتتمثل في عائدات نفط خام ومستحقات تجارية متراكمة.

- الهند، حيث يحتجز في المصارف الهندية نحو 7 مليارات دولار.

- العراق، حيث تحتجز بغداد نحو 6 مليارات دولار، تتمثل في مستحقات إمدادات الغاز والكهرباء العالقة بسبب قيود التحويلات الأمريكية.

- قطر، حيث يحتجز بها نحو 6 مليارات دولار نُقلت إليها سابقاً من كوريا الجنوبية ضمن صفقة تبادل سجناء، قبل أن يعاد تجميدها بقرار أمريكي.

- الولايات المتحدة، وهي تحتجز نحو 2 مليار دولار، وتشمل أجزاء تم تجميدها منذ العام 1979عقب أزمة الرهائن.

بالإضافة إلى أوروبا واليابان، حيث تحتجز لوكسمبورغ نحو 1.6 مليار دولار، وتحتجز اليابان نحو 1.5 مليار دولار من أرصدة الطاقة الإيرانية.

وعند التوصل إلى الاتفاق النووي عام 2015، أتيح لطهران استعادة جزء من أموالها، ولكن بعد انسحاب واشنطن من الاتفاق في 2018 أعيدت القيود المالية إلى الواجهة.

إلا أن الحدث الذي ولد أزمة كبرى وغضب عارم، تمثل في مصادرة جزء من هذه الأموال في العام 2016، عندما قضت المحكمة الأميركية العلـيا، حُكمُا يقضي بمصادرة 2 مليار دولار من الأرصدة المجمدة في الولايات المتحدة لتعويض أسر ضحايا هجمات اتهمت أميركا إيران بتحمل المسؤولية عنها، ومنها تفجير ثكنة لمشاة البحرية الأمريكية في بيروت في 1983 الذي أسفر عن مقتل 241 جنديا أمريكيا، رغم نفي إيران أي تورط لها في الهجمات.

وقد دانت إيران بشدة الحكم الصادر عن المحكمة ووصف الرئيس حسن روحاني، هذه المصادرة بأنها فضيحة سافرة وسرقة أمريكية للأموال الإيرانية، وبعث وزير الخارجية محمد جواد ظريف برسالة احتجاج إلى الأمين العام للأمم المتحدة وطلب منه المساعدة في ضمان الإفراج عن الاصول الإيرانية المجمدة.

وبمقارنة رد الفعل الإيراني وقتها برد الفعل المتوقع حاليا وبعد حرب كبيرة تعرضت بها إيران لأضرار ضخمة، واتهمت بها دول الخليج بتوفير المساعدة لأميركا عبر القواعد الأمريكية، فإن أي مصادرة أمريكية وتوجيهها للخليج، سيجعل هناك غضبا مزدوجا تجاه أميركا ودول الخليج، وهي بمثابة فتنة ووقيعة قد تجدد استهداف المصالح الأمريكية في دول الخليج، وهو ما سيعمق من الأزمة الاقتصادية والأمنية.

وهنا نرى من الواجب أن تعلن دول الخليج رفضها للتعويضات بهذه الطريقة وأن تستمر في تغليب الحوار دون استفزازات وأن تنصح أميركا بالتوصل لتفاهمات وأن لاتكون بعض الحلول قائمة على توليد مشكلات للخليج، كما أن التماهي مع منطق مصادرة الأصول لايصب في صالح دول الخليج التي لها أصول ضخمة في أميركا وغيرها من دول العالم، حيث ينذر تمرير هذا المنطق وهذه السياسة بتجميد أصول خليجية في حالة الخلاف مع أميركا أو غيرها وبالتالي يصبح سيفا مسلطا يرهن قرارات وخيارات دول الخليج، وهو ما يعني ضرورة رفض المبدأ من أساسه والبحث في خيارات أخرى.. تضمن حقوق هذه البلاد من خلال التفاهم القائم على مبدأ حسن الجوار.