في 2026/01/31
يوسف حمود - الخليج أونلاين
تفتح الجولة الأولى من الحوار السياسي والأمني بين الكويت ومنظمة حلف شمال الأطلسي مرحلة جديدة في مسار العلاقة بين الجانبين، بعد أكثر من عقدين من التعاون الذي انطلق ضمن مبادرة إسطنبول للتعاون.
ويأتي هذا التطور في ظل بيئة إقليمية متسارعة التحولات، ما يعكس توجهاً نحو تعزيز التنسيق عبر قنوات سياسية وأمنية أكثر انتظاماً ووضوحاً.
وعُقدت الجولة الأولى في 28 يناير 2026 بمقر الحلف في بروكسل، برئاسة نائب وزير الخارجية الكويتي السفير الشيخ جراح جابر الأحمد، فيما مثّل الحلف خافيير كولومينا، ممثل الأمين العام الخاص للجوار الجنوبي.
كما تركزت المباحثات على سبل تطوير التعاون في المجالات السياسية والعسكرية والأمنية، إضافة إلى بحث آليات التنسيق عبر المركز الإقليمي للناتو في الكويت.
واستعرض الجانبان التطورات الإقليمية والدولية وتبادلا وجهات النظر حول التحديات الأمنية الراهنة، من دون الإعلان عن اتفاقات جديدة، في خطوة تعكس انتقال العلاقة من مرحلة المشاورات المتعددة إلى حوار سياسي وأمني مباشر وأكثر مؤسسية، بحسب وكالة الأنباء الكويتية "كونا".
المركز الإقليمي للناتو
تعود العلاقة المؤسسية بين الكويت وحلف شمال الأطلسي إلى 28 يونيو 2004، تاريخ إطلاق مبادرة إسطنبول للتعاون خلال قمة الحلف في إسطنبول، بهدف بناء شراكة أمنية مع دول الخليج.
وقبل الإعلان الرسمي، أبدت الكويت اهتماماً مبكراً بالمبادرة خلال مشاورات رفيعة مع مسؤولي الحلف، لتصبح في ديسمبر 2004 أول دولة خليجية تنضم إليها، فاتحةً الباب أمام تعاون عملي شمل الدفاع، ومكافحة الإرهاب، وأمن الحدود، والتدريب العسكري، وإدارة الطوارئ.
تسارعت الخطوات بعد ذلك؛ ففي يونيو 2005 بدأ التعاون الأمني الرسمي عبر زيارات خبراء وتوقيع اتفاقيات أرست إطاراً قانونياً للتنسيق، ثم استضافت الكويت في ديسمبر 2006 أول مؤتمر دولي حول المبادرة، لتكون أول دولة غير عضو في الحلف تحتضن فعالية بهذا المستوى، ما عكس موقعها المتقدم داخل هذا المسار.
كما شكل اقتراح الكويت استضافة مركز إقليمي للمبادرة نقطة تحول مفصلية، فقد قُدم المقترح في بروكسل عام 2012 وأُقر خلال قمة شيكاغو في العام ذاته، ليُفتتح المركز رسمياً في 23 يناير 2017 بحضور الأمين العام للناتو آنذاك ينس ستولتنبرغ ورئيس الوزراء الكويتي الشيخ جابر المبارك.
وسبق الافتتاح توقيع اتفاقية عبور قوات الناتو عبر الأراضي الكويتية في فبراير 2016، ما عزز الإطار التنفيذي للتدريب وبناء القدرات ومواجهة التهديدات غير التقليدية.
ومنذ افتتاحه، تحول المركز الإقليمي في الكويت إلى منصة تدريب واستشارات فنية واستضافة اجتماعات متخصصة، مع فتح أنشطته أمام دول خليجية أخرى، بما يعكس الطابع الإقليمي المتنامي للتعاون.
وعلى المسار السياسي أدت الكويت دوراً محورياً في تطوير الحوار بين الحلف ودول المبادرة عبر استضافة اجتماعات مجموعة الاستشارة السياسية في أكثر من محطة، بينها اجتماعات أعوام 2015 و2018 و2019، وصولاً إلى استضافتها الاجتماع السابع في ديسمبر 2025 بحضور ممثل الأمين العام للناتو خافيير كولومينا.
كما احتفلت في سبتمبر 2024 بمرور 20 عاماً على إطلاق المبادرة، في تأكيد لاستمرار الالتزام السياسي بدعم هذا الإطار.
بهذا التدرج انتقلت العلاقة بين الكويت والناتو من تعاون تقني محدود إلى شراكة مؤسسية متعددة الأبعاد، تجمع بين البعدين التنفيذي والسياسي ضمن إطار إقليمي أوسع.
تحول أوسع
وفي ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها البيئة الأمنية في الخليج يبرز الحوار السياسي والأمني بين الكويت وحلف شمال الأطلسي كمؤشر على مرحلة جديدة في إدارة الشراكات الدفاعية، تتجاوز الإطار التقليدي للتعاون العسكري نحو مقاربة أكثر شمولاً وتداخلاً بين البعدين السياسي والأمني.
وفي هذا السياق يذهب الخبير الأمني مجيب عبد الله للحديث عن الحوار السياسي والأمني بين الكويت وحلف "الناتو" قائلاً إنه "لا يمكن فصله عن تحول أوسع في طريقة إدارة دول الخليج لعلاقاتها مع القوى العسكرية الدولية".
كما أكد في حديثه لـ"الخليج أونلاين" بقوله: "لم تعد هذه الدول (في إشارة للكويت) تكتفي بدور الشريك المتلقي، بل تسعى لأن تكون جزءاً من صياغة الأجندة الأمنية المرتبطة بمحيطها الجغرافي المباشر" مضيفاً في هذا الصدد:
- اختيار الكويت تحديداً لإطلاق هذا النوع من الحوار يعكس إدراكاً غربياً بأن الاستقرار في الخليج لم يعد مسألة عسكرية فقط، بل ملف سياسي مركب.
- هذا الملف يتطلب شركاء قادرين على الجمع بين القبول الإقليمي، والقدرة على التواصل مع أطراف متعددة دون الانخراط في محاور صدامية.
- "الناتو" من جانبه يحاول عبر هذا المسار تجاوز نموذج "الانتشار العسكري المباشر"، والانتقال إلى إدارة النفوذ عبر الحوار والتنسيق وبناء القدرات المحلية، خصوصاً في منطقة باتت فيها كلفة التدخل المباشر مرتفعة سياسياً وأمنياً، كما أثبتت تجارب العقدين الماضيين.
- هذا الحوار لا يستهدف تهديدات آنية بقدر ما يسعى إلى إعادة تعريف أدوار الأطراف، بحيث تتحول دول مثل الكويت إلى نقاط ارتكاز سياسية وأمنية مستقرة، قادرة على امتصاص التوترات الإقليمية، بدلاً من أن تكون ساحات مفتوحة لتجاذبات القوى الكبرى.