علاقات » اوروبي

بعد عقدين من التعثر.. التجارة الحرة تعود إلى طاولة الخليج وأوروبا

في 2026/06/10

طه العاني - الخليج أونلاين

تتجه العلاقات الخليجية الأوروبية نحو مرحلة أكثر ترابطاً، مدفوعة بتحولات اقتصادية وجيوسياسية أعادت ترتيب أولويات التعاون الدولي، خصوصاً في ملفات التجارة والطاقة والتقنيات المتقدمة وسلاسل الإمداد.

وفي ظل هذا المشهد تبرز الحاجة إلى نماذج تعاون أكثر مرونة قادرة على مواكبة تسارع إعادة تشكيل التحالفات الاقتصادية عالمياً.

رهان الاتفاق

وفي إطار ذلك تزايدت التوقعات بإمكانية تحقيق اختراق في ملف التجارة الحرة بين الخليج والاتحاد الأوروبي بعد سنوات طويلة من التعثر.

وكشفت صحيفة "الاقتصادية" السعودية، في 2 يونيو 2026، نقلاً عن مصادر أوروبية وخليجية، أن القمة الخليجية الأوروبية المرتقبة في الرياض خلال أكتوبر 2026 قد تشهد دفعاً حاسماً نحو اتفاق التجارة الحرة، في ظل تحركات واتصالات رفيعة المستوى يجري تنسيقها بين الجانبين. 

ويأتي هذا الحراك بعد توقيع مجلس التعاون الخليجي اتفاقية تجارة حرة مع المملكة المتحدة، في 20 مايو 2026، وهو ما سرّع من وتيرة النقاش داخل الاتحاد الأوروبي لإنهاء ملف تفاوضي ممتد لأكثر من عقدين.

وأكد المتحدث باسم المفوضية الأوروبية لـ"الاقتصادية" التزام الاتحاد الأوروبي الكامل بمفاوضات مجلس التعاون، وفق توجيهات التفاوض المعتمدة في يوليو 2025، موضحاً أن بروكسل تسعى إلى اتفاقية "طموحة وذات جدوى تجارية" تفتح وصولاً أوسع للأسواق الخليجية.

كما أشار إلى استمرار التواصل مع الأمانة العامة لمجلس التعاون بهدف مواءمة التوقعات بين الطرفين، مع توجه متزايد لمناقشة مسارات قطاعية تشمل الطاقة المتجددة، والتجارة الرقمية، وسلاسل التوريد الصناعية.

تقارب استراتيجي

وتجاوز التعاون الخليجي الأوروبي الإطار التجاري التقليدي، ليمتد إلى ملفات الأمن الاقتصادي والطاقة والتكنولوجيا، في ظل إدراك متبادل لأهمية بناء شراكة أكثر شمولاً.

وبحسب تقرير نشرته "الشرق مع بلومبيرغ"، في 6 سبتمبر 2025، فإن الجانبين يتحركان نحو شراكة استراتيجية تغطي الطاقة والدفاع والتحول الرقمي والأمن الإقليمي، في مسار تفاوضي بدأ منذ 1990 قبل تعليقه في 2008، ثم استئناف الحوار التجاري والاستثماري في مايو 2017.

وشهدت بروكسل، في أكتوبر 2024، انعقاد أول قمة خليجية أوروبية، على أن تستكمل الاجتماعات الوزارية في الكويت خلال أكتوبر 2025.

وتتركز المفاوضات الحالية على خفض الرسوم الجمركية وتعزيز الاستثمار والتجارة الرقمية، إلى جانب التعاون في الطاقة النظيفة والهيدروجين الأخضر والبحث العلمي.

وقالت مفوضة الاتحاد الأوروبي لشؤون المتوسط دوبرافكا شويتسا، في تصريحات نقلتها "بلومبيرغ"، إن الشراكة مع الخليج تهدف إلى "الارتقاء بالتعاون إلى مستوى جديد".

في المقابل أكد المنسق العام ورئيس الفريق التفاوضي الخليجي رجاء المرزوقي، في تصريحات لـ"الاقتصادية"، أن دول الخليج تنظر إلى الاتحاد الأوروبي كشريك استراتيجي، لكنه أشار إلى أن إدخال ملفات غير اقتصادية في المفاوضات كان أحد أبرز أسباب تعثر الملف خلال السنوات الماضية.

فرصة وضرورة

وتؤكد الباحثة في الاقتصاد الدولي د. ماردين محسوم فرج أن قمة الرياض تمثل الفرصة الأبرز لإحياء المفاوضات التجارية المعطلة بين الخليج وأوروبا، غير أن نجاحها في كسر الجمود ليس حتمياً، بل يظل رهيناً بتجاوز إرث الخلافات المتراكمة ومواكبة مستجدات البيئة الدولية الراهنة.

وتوضح لـ"الخليج أونلاين" أن غياب الاتفاق طيلة العقدين الماضيين يعود إلى عقبات هيكلية جوهرية، أبرزها:

التحفظات الأوروبية على الرسوم الجمركية وصادرات المواد الخام.
المطالبة بانفتاح أوسع على قطاعات الخدمات.
المحاولات الأوروبية لربط الملفات التجارية بالقضايا السياسية.

وتضيف فرج أن التحولات الجيوسياسية الراهنة، وعلى رأسها أزمة أمن الطاقة الأوروبي بعد الحرب الروسية الأوكرانية، أعادت تهيئة البيئة التفاوضية، مبرزة الأهمية الاستراتيجية لدول الخليج كشريك طاقوي موثوق ومستدام للقارة العجوز.

وتلفت إلى أن مسيرة التحول الاقتصادي الهيكلي التي تشهدها المنطقة تدفع باتجاه تنويع مصادر الدخل وتقليص الاعتماد على النفط، مما يجعل الشراكة مع الاتحاد الأوروبي ضرورة تنموية ملحة لتوسيع قاعدة الاستثمارات المتبادلة.

وتشير الدكتورة ماردين إلى أن الزخم الخليجي في بناء شراكات حرة مع قوى دولية كبريطانيا والصين والهند وكوريا الجنوبية، أثار مخاوف بروكسل من خسارة حصتها السوقية وموقعها الاستراتيجي، مما حرك المياه الراكدة ودفع الأوروبيين لتنشيط المفاوضات تجنباً لضياع فرص استثمارية كبرى.

وتبين أن التراجع النسبي في الحصة التجارية الأوروبية لصالح الصعود الآسيوي، جعل بروكسل تدرك ضرورة الإسراع في إبرام الاتفاقية، خصوصاً في ظل المشاريع التنموية العملاقة والخطط اللوجستية التي تنفذها دول الخليج لربط القارات الثلاث.

وترى فرج أن اتفاقية التجارة الحرة المحتملة ستكون أداة استراتيجية داعمة لخطط التنوع الاقتصادي الخليجي وجذب الرساميل، لا سيما أن الأسواق الآسيوية باتت تستقطب الجزء الأكبر من الصادرات النفطية، مما يتطلب توازناً استثمارياً مع الجانب الأوروبي في القطاعات غير النفطية.

وتعتقد الباحثة في الاقتصاد الدولي أن قطاعات الطاقة المتجددة، والهيدروجين الأخضر، والبنية التحتية، والخدمات المالية والتكنولوجية، ستكون المستفيد الأكبر من هذا الاتفاق، حيث تتقاطع الطموحات الخليجية في بناء مدن المستقبل مع الخبرات التقنية الراسخة للشركات الأوروبية.

ثقل اقتصادي

وتعكس أرقام التجارة والاستثمار عمق التشابك الاقتصادي بين الجانبين، ما يعزز الضغوط نحو تسريع الوصول إلى اتفاق نهائي.

وبحسب المركز الإحصائي الخليجي، بلغ إجمالي واردات دول مجلس التعاون الخليجي من الاتحاد الأوروبي 123.6 مليار دولار خلال عام 2025، في حين سجلت صادرات دول المجلس إلى الاتحاد الأوروبي 65.4 مليار دولار، بما يعكس استمرار النشاط التجاري بين الجانبين.

وأوضح المركز، في 19 مايو 2026، أن استثمارات دول مجلس التعاون في الاتحاد الأوروبي بلغت نحو 199.5 مليار دولار خلال عام 2024، مقابل استثمارات أوروبية في دول المجلس بقيمة 185.6 مليار دولار.

ووفق بيانات المفوضية الأوروبية التي أوردتها "الشرق"، بلغ إجمالي تجارة السلع بين الاتحاد الأوروبي ودول الخليج نحو 176.3 مليار دولار خلال 2024، منها 67.9 مليار دولار واردات أوروبية تركزت في الوقود والمعادن، مقابل 108.3 مليارات دولار صادرات أوروبية شملت الآلات والمعدات والكيماويات ووسائل النقل.

ويُعد الاتحاد الأوروبي ثاني أكبر شريك تجاري لدول مجلس التعاون الخليجي، مستحوذاً على 11.7% من إجمالي تجارة السلع الخليجية مع العالم خلال 2024.

ويرى مراقبون أن توسع الاتفاقيات الخليجية مع شركاء دوليين مثل بريطانيا والصين وتركيا قد يدفع أوروبا إلى إبداء مرونة أكبر في الملفات الخلافية، لتفادي تراجع موقعها كشريك اقتصادي رئيسي للمنطقة.