في 2026/01/01
كمال صالح - الخليج أونلاين
تمثّل تحركات المجلس الانتقالي الجنوبي في المحافظات الشرقية باليمن استفزازاً مباشراً للذاكرة التاريخية في كلٍّ من سلطنة عُمان والمملكة العربية السعودية، وقد أثارت مخاوف حقيقية من الإخلال بالوضع القائم منذ عام 1990، وما تلاه من تفاهمات سياسية وحدودية.
فالتصريحات التي أطلقها رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، عيدروس الزبيدي، في وقت سابق، ولمّح فيها إلى منطقة "صرفيت" العُمانية، بعثت برسائل سلبية، وهو ما يفسّر الموقف الرسمي المتوجس عُمانياً، والرافض سعودياً، لتلك التحركات.
ومع اشتعال الوضع في حضرموت والمهرة على الحدود بين اليمن وسلطنة عُمان والسعودية، عاد الحديث مجدداً عن تاريخ مثخن بالصراعات في ذاكرة البلدين.
التصعيد الأخير
كان مطلع ديسمبر الجاري موعداً لاشتعال التصعيد في محافظات اليمن الشرقية، وتحديداً في حضرموت، ذات الشريط الحدودي الأكبر مع المملكة العربية السعودية، والمهرة الحدودية مع سلطنة عُمان.
وتقدمت جحافل قوات المجلس الانتقالي، وفي مقدمتها قوات الدعم الأمني، التي يقودها شخص يُدعى أبو علي الحضرمي، محمّلة بأجندة انفصالية، باتجاه وادي حضرموت، حيث ترابط قوات القبائل، وقوات درع الوطن، والمنطقة العسكرية الأولى التابعة للحكومة اليمنية، والمدعومة جميعها من السعودية.
هذا التوغّل في المحافظتين تسبّب باندلاع أزمة غير مسبوقة في اليمن، مثّل تهديداً مباشراً لحالة التوافق التي حرصت السعودية على الحفاظ عليها كأساس للتوصل إلى السلام الشامل، وإنهاء تمرد الحوثيين في صنعاء.
لكن تحرك المجلس الانتقالي مثّل ضربة لتلك الجهود، وأثار مخاوف من تغيّر الوضع القائم على طول الحدود بين اليمن والسعودية من الجهة الشمالية الشرقية، الممتدة عبر محافظة حضرموت.
ولا تزال حرب الأيام التسعة أواخر عام 1969 حاضرة في الذاكرة السعودية، حينما هاجمت وحدات من جيش اليمن الجنوبي منطقتي الوديعة وشرورة، وانتهت المواجهة بهزيمة القوات المهاجمة.
وبعد تحقيق الوحدة اليمنية، تم التوصل إلى اتفاقيات لترسيم الحدود، أبرزها اتفاقية جدة عام 2000، التي وضعت حداً لكل الخلافات الحدودية، غير أن فرض واقع انفصالي جديد قد يهدد كل المعاهدات التي جرى توقيعها بعد الوحدة.
استفزاز عُمان
في مايو 2023، وخلال لقائه بمشايخ ووجهاء وأعيان محافظة حضرموت، قال عيدروس الزبيدي، رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي: "حقّنا في هذه الأرض من البحر الأحمر إلى صرفيت، ولن نتنازل عنه أبداً".
هذا التصريح عاد إلى الواجهة مجدداً مع رفع رايات اليمن الجنوبي على منفذ شحن الحدودي مع سلطنة عُمان، ليصبح مثار غضب واستياء، ودعوة صريحة لاتخاذ موقف.
وفي مقال نشرته صحيفة "الرؤية" العُمانية، قال الكاتب خالد بن سالم الغساني إنه ليس من المقبول سياسياً ولا وطنياً ولا أخلاقياً، ولا بأي صورة أو طريقة كانت، أن يُذكر اسم صرفيت في خطاب تعبوي صادر عن أي طرف يمني، أكان رسمياً أم غير رسمي، وتحت أي ذريعة كانت.
وأضاف: "حين يخرج عيدروس الزبيدي، رئيس ما يُسمّى المجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن، ليقول بوضوح: من البحر الأحمر إلى البحر العربي شرقاً، إلى صرفيت، فإن الأمر يتجاوز حدود البلاغة السياسية والتعبوية، ويتحوّل إلى تطاول صريح على أرض عُمانية ذات سيادة كاملة، لا تقبل التأويل ولا المجاز ولا التساهل في الرد".
واستطرد قائلاً: "صرفيت ليست نقطة حدودية متنازعاً عليها، ولا منطقة رمادية يمكن إدراجها في خرائط خطابية فضفاضة، إنما هي أرض عُمانية خالصة، ارتوت بدماء أبناء عُمان الذين أدّوا واجبهم في حماية حدود وطنهم، وهي جزء من ذاكرة الدولة الحديثة وتاريخها السيادي، الذي لا يقبل العبث أو التلميح أو الإقحام".
وأشار إلى ضرورة التأكيد على أن "أراضي سلطنة عُمان ليست مادة للخطاب السياسي، ولا ساحة لتصفية حسابات الآخرين، ومن يطمح لبناء كيان أو دولة أو مشروع سياسي، فليبدأ باحترام حدود الدول القائمة، لا بتجاوزها لفظياً ثم الاحتماء خلف توصيفات فضفاضة".
اختبار الذاكرة
يرى الصحفي الحضرمي أمين بارفيد أن مشهد تقدّم دبابات المجلس الانتقالي في حضرموت والمهرة مثّل زلزالاً جيوسياسياً بمنظار الأمن القومي العُماني، ضرب مركز الارتكاز في عقيدة مسقط الأمنية.
وأضاف، في تدوينة على "فيسبوك" بعنوان "سقوط المنطقة العازلة.. الانتقالي في المهرة لاختبار الذاكرة الأمنية العُمانية"، أن قوات المجلس الانتقالي، المحمّلة بأجندة تاريخية وسياسية، أعادت إنعاش الخطوط الحمراء القديمة.
ولفت بارفيد إلى أنه لا يمكن قراءة الموقف العُماني بمعزل عن أرشيف الذاكرة التاريخية، موضحاً أن "العلاقة بين عُمان والجنوب اليمني محكومة بـ(عقدة ظفار) (1965–1975)، حين تحولت جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية إلى رئة تنفست منها الجبهة الشعبية الماركسية التي هددت السلطنة".
وقال: "اليوم، ترى مسقط في المجلس الانتقالي تجسيداً وظيفياً لذلك الخطر القديم، ولكن بعباءة مختلفة"، مشيراً إلى أن سيطرة المجلس الانتقالي قد تشكّل تهديداً لاتفاقية الحدود الدولية الموقعة عام 1992 بين سلطنة عُمان واليمن.
واستطرد قائلاً: "فجّر رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، عيدروس الزبيدي، أزمة غير مسبوقة بتصريحات اعتبر فيها أن حدود الدولة الجنوبية التي يسعى لاستعادتها تمتد لتشمل منطقة صرفيت، في تلميح صريح لعدم الاعتراف بتبعيتها لسلطنة عُمان وفق الاتفاقيات المرسّمة".
وختم بارفيد بالقول إن هذا التصريح "قد تعتبره مسقط مساساً مباشراً بالسيادة الوطنية وتجاوزاً للخطوط الحمراء، وأثار موجة غضب واسعة في الأوساط العُمانية الرسمية والشعبية، حيث نُظر إليه كدليل على أن الجوار الجديد لا يحمل نوايا حسنة، بل أطماعاً توسعية قد تعيد المنطقة إلى مربع الصراعات الحدودية الدموية".
إرث تاريخي دامٍ
يعد الحفاظ على المهرة وحضرموت ضمن دائرة النفوذ اليمني الموحد (أو الفيدرالي الموالي) مسألة "أمن قومي قصوى" للرياض ومسقط، لا تقل أهمية عن أمن المنشآت النفطية شرق المملكة، والمنطقة الحرة والميناء غربي السلطنة، وفق الصحفي والباحث في شؤون الخليج والشرق الأوسط عدنان هاشم.
وأضاف هاشم، في تصريح لـ"الخليج أونلاين"، أن خسارة هذه المنطقة تعني "حصاراً استراتيجياً دائماً للمملكة والسلطنة"، لافتاً إلى أن كل ذلك "يعود لإرث تاريخي دامٍ في ذاكرة الدولتين".
واستطرد هاشم قائلاً:
الرياض ترى في أي تغيير مفاجئ لخارطة السيطرة العسكرية في هذه المناطق تهديداً للمكتسبات السياسية والأمنية التي استقرت بموجب اتفاقية جدة لترسيم الحدود عام 2000؛ فالمملكة تخشى الفوضى التي تجعل منطقتي شرورة والوديعة قلقة كما كان ذلك خلال حقبة حكم الحزب جنوب اليمن، مما يدفعها للتمسك بدعم القوى المحلية التي تضمن بقاء هذه الجغرافيا تحت نفوذ مستقر يمنع عودة التوترات التي سادت مرحلة ما قبل الوحدة.
فيما تنبع حساسية مسقط من مرارة "ثورة ظفار" (1962-1976) إذ كانت هذه الحقبة مصدر قلق دائماً للسلطنة، ولم تتمكن من الهدوء إلا عقب اتفاقية ترسيم الحدود بين اليمن وعُمان عام 1992 بعد الوحدة اليمنية.
وتنظر عُمان إلى أي محاولة لـ "عسكرة" المهرة أو تغيير موازين القوى فيها على أنها تهديد مباشر لمجالها الحيوي، إذ يثير ذلك مخاوفها من انهيار حالة الاستقرار الحدودي التي دامت عقوداً، ومن عودة القلاقل التي قد تضطرها إلى الخروج من سياستها الهادئة للدفاع عن حدودها الغربية ضد أي نفوذ تعتبره "راديكالياً" أو معادياً لمصالحها.
التصعيد الكلامي للمجلس الانتقالي تجاه سلطنة عمان والتحرك الميداني كسر حالة "الهدوء الصامت" التي تلت ترسيم الحدود، وأعطى مؤشراً على احتمالية انهيار التوافقات القديمة؛ فمن وجهة النظر العُمانية والسعودية، فإن المساس بما يمكن تسميته "مجالهما الحيوي" ليس مجرد إجراء عسكري داخلي، بل هو نبش في ملفات الصراع التاريخي التي طُويت مع الوحدة، وهو ما قد يحول المنطقة من منطقة تجارة واستقرار إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية خاصة مع مشكلات حدودية وجيوسياسية مع الإمارات، و"إسرائيل" الفاعل الجديد في شبه الجزيرة العربية والقرن الأفريقي.