علاقات » عربي

إرثه مقلق.. ما انعكاس عودة المالكي على محيط العراق الخليجي؟

في 2026/01/26

كامل جميل - الخليج أونلاين

في ظل تصاعد بؤر التوتر في المنطقة، عاد اسم نوري المالكي ليتصدر المشهد السياسي العراقي مرشحاً لرئاسة الحكومة، مثيراً أسئلة لا تقف عند حدود بغداد، بل تمتد إلى محيطها العربي والخليجي الذي يراقب أي تحول في العراق بوصفه حلقة حساسة في منظومة أمن المنطقة.

عودة المالكي لا تبدو هذه المرة مجرد استحقاق دستوري أو خياراً سياسياً داخلياً، بل تحمل دلالات أعمق في لحظة دقيقة تتطلب قدراً عالياً من الاستقرار السياسي والأمني، في بلد ما يزال يعاني هشاشة توازناته وتعقّد تركيبته الداخلية.

ومع ازدياد المخاوف من انتقال تداعيات أي اضطراب داخلي جديد إلى الجوار الإقليمي، يزداد قلق دول الخليج العربي على وجه الخصوص، إذ تنظر إلى العراق بوصفه عمقاً استراتيجياً لا يمكن فصله عن أمنها الجماعي، وأي اهتزاز فيه قد ينعكس مباشرة على استقرار المنطقة بأسرها.

ترشيح الإطار 

وفي هذا السياق، أعلن تحالف "الإطار التنسيقي" الذي يضم قوى شيعية نافذة ويعد الكتلة النيابية الأكبر في البرلمان، السبت (24 يناير 2026)، ترشيح نوري المالكي لرئاسة مجلس الوزراء.

وجاء ترشيح المالكي عقب اجتماع موسّع عقده قادة الإطار في مكتب رئيس منظمة بدر، هادي العامري، خُصص لبحث تطورات المشهد السياسي والاستحقاقات الدستورية المقبلة.

وأوضح بيان صادر عن الإطار أن القرار اتخذ بعد "نقاش معمق"، مؤكداً أن اختيار المالكي يستند إلى كونه مرشح الكتلة الأكبر، وإلى خبرته في إدارة الدولة، مع التشديد على الالتزام بالمسار الدستوري، والعمل على تشكيل حكومة قادرة على مواجهة التحديات الأمنية والخدمية، والحفاظ على وحدة البلاد.

في المقابل، برز قلق سني واضح إزاء عودة المالكي، حيث عبر "المجلس السياسي الوطني" الذي يمثل القوى السنية، عن مخاوفه من ترشيحه، داعياً قادة الإطار إلى تحمّل "المسؤولية التاريخية" ومراعاة القبول الوطني، محذراً من إعادة تدوير تجارب سياسية ارتبطت، بحسب البيان، بأزمات أمنية واقتصادية عميقة لا تزال آثارها قائمة حتى اليوم.

لكن في المقابل، رحب رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني، مسعود بارزاني، بترشيح المالكي مؤكداً في بيان له "سنكون داعمين له في معالجة القضايا والخلافات، وتجاوز العقبات والتحديات التي تواجه البلاد".

كما أعلن المتحدث باسم ائتلاف دولة القانون، عقيل الفتلاوي، أن المرشد الإيراني علي خامنئي "بارك" ترشيح المالكي لرئاسة الوزراء.

من جانبه حذر وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، في اتصال هاتفي مع رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، من تشكيل حكومة خاضعة للهيمنة الإيرانية، مؤكداً أن الحكومة التي "تسيطر عليها إيران لا يمكنها أن تضع مصالح العراق في المقام الأول، ولا أن تُبعد البلاد عن الصراعات الإقليمية، أو أن تعزز شراكة قائمة على المنفعة المتبادلة بين بغداد وواشنطن".

إرث 2014 

لا ينفصل الجدل الحالي عن إرث المالكي السياسي، إذ يتهمه خصومه المحليون بالفشل في إدارة الملف الأمني، وبالمسؤولية السياسية عن الظروف التي مهّدت لدخول تنظيم "داعش" إلى العراق عام 2014، وسيطرته على مدن رئيسية في واحدة من أخطر مراحل الدولة العراقية الحديثة.

وخلال ولايتيه بين 2006 و2014، تصاعد نفوذ المالكي ليصبح لاعباً مركزياً في السياسة العراقية.

وخلال تلك الفترة، حافظ المالكي على علاقات متوازنة مع طهران وواشنطن، لكنه واجه في المقابل اتهامات بتغذية الاستقطاب الطائفي، وتراجع الخدمات، وتفشي الفساد، إلى جانب تعقيد علاقات العراق الإقليمية.

بالمقابل، أدت تلك التطورات إلى ضغوط سياسية داخلية ودولية حالت دون تجديد ولايته لثالث مرة، رغم فوز ائتلاف "دولة القانون" الذي يتزعمه بأكبر عدد من المقاعد في انتخابات 2014، في إشارة واضحة إلى حجم الاعتراض على استمراره آنذاك.

العراق والخليج والقلق المشترك

من جانب آخر، تكتسب عودة المالكي بعداً إضافياً حين تقرأ من زاوية العلاقة بين العراق ودول الخليج العربي التي ترى أن استقرار بغداد عنصر أساسي في استقرار المنطقة، وأن أي اهتزاز داخلي أو تصاعد في نفوذ الفصائل المسلحة سينعكس مباشرة على أمنها ومصالحها الاقتصادية.

وخلال السنوات الماضية، سعت العواصم الخليجية إلى فتح قنوات تعاون مع العراق، ودعم مسارات التهدئة والانفتاح الاقتصادي، انطلاقاً من قناعة بأن بغداد المتوازنة عربياً تشكّل صمام أمان إقليمي، لا ساحة صراع مفتوحة.

غير أن ظهور اسم المالكي مجدداً والمرتبط بمرحلة توتر إقليمي خطيرة، يثير مخاوف من انتكاسة محتملة لهذا المسار، ويعيد طرح سؤال قديم جديد: هل يتجه العراق نحو ترسيخ شراكاته العربية، أم يعود إلى دوائر نفوذ أثبتت محدودية قدرتها على إنتاج الاستقرار؟

وفي لحظة إقليمية دقيقة، تبدو عودة المالكي اختباراً مضاعفاً، ليس فقط للنظام السياسي العراقي، بل لموقع العراق نفسه داخل محيطه العربي والخليجي، وبين خيار التهدئة والانفتاح، أو استدعاء ذاكرة صدامية ما تزال كلفتها باهظة.

تفكيك المليشيات

يرى الكاتب والمحلل السياسي إياد الدليمي، في حديثه لـ"الخليج أونلاين"، أن نوري المالكي ما يزال حتى الآن مرشح "الإطار التنسيقي"، ولم يُصوّت عليه البرلمان بصورة نهائية، غير أن ذلك لا يتعدى كونه مسألة وقت قبل أن يصبح رئيساً للوزراء رسمياً.

ويقرأ الدليمي هذا الترشيح من أكثر من زاوية، مشيراً إلى أنه جاء بوصفه ردّة فعل من قوى السلطة الشيعية على التحولات الإقليمية الأخيرة، ولا سيما وصول التيار الإسلامي السني إلى الحكم في دمشق، وما تعده تلك القوى تهديداً مباشراً، دفعها إلى التوجه نحو خيارات أكثر تشدداً داخل البيت الشيعي، مضيفاً في هذا الصدد:

- هذا التوجه يتزامن مع انحسار النفوذ الإيراني إقليمياً، وهو ما دفع القوى القريبة من طهران في العراق إلى الاحتماء بالتيار المتشدد.

- هذا يفسر أيضاً سرعة المباركة الإيرانية لترشيح المالكي، بوصفه تعبيراً عن شعور بالخطر لدى ما يُعرف بـ"يمين القوى الشيعية" في العراق ومن خلفه إيران.

- لكن في المقابل المالكي شخصية قادرة على تنفيذ ما يعجز عنه غيره، خاصة في ملف تفكيك المليشيات الشيعية، الذي بات جزءاً من مطالب أمريكية معلنة، وتجربته خلال ولايته الأولى حين واجه "جيش المهدي" التابع لمقتدى الصدر خير برهان.

- بناءً على ذلك، لا يستبعد أن يكون ترشيح المالكي إلى جانب الترحيب الذي أبداه السفير الأمريكي الأسبق زلماي خليل زاد، مؤشراً على تفاهمات جرى إعدادها خلف الكواليس.

- المالكي اليوم ليس هو نفسه الذي حكم العراق بين عامي 2006 و2014، فتقدّمه في العمر قد يدفعه إلى تبني مقاربة أقل صدامية، وفتح صفحة جديدة مع دول الخليج على وجه الخصوص، والدول العربية عموماً. 

- المالكي يدرك دقة المرحلة ويسعى إلى تجنيب قوى "الإسلام السياسي الشيعي" خطر الانهيار، وعلى الأرجح سيختفي النموذج الصدامي الذي عُرف به سابقاً.