علاقات » عربي

الشراكة مع قطر.. مفتاح عبور سوريا إلى التنقيب البحري

في 2026/02/07

كامل جميل - الخليج أونلاين

يمثل حضور قطر في استثمار الغاز قبالة الساحل السوري تأكيداً لسعي دمشق للاستفادة من خبرات دولة باتت لاعباً دولياً في هذا القطاع، ما يجسد خطوة استراتيجية تمثل نقطة تحول في مسار صناعة الطاقة السورية.

يوم الأربعاء 4 فبراير الجاري، أعلنت الشركة السورية للنفط توقيع مذكرة تفاهم مع شركة "شيفرون" الأمريكية وشركة "باور إنترناشيونال القابضة" القطرية لتطوير أول حقل غاز بحري في المياه الإقليمية السورية.

ووفق الوكالة العربية السورية للأنباء "سانا"، تهدف المذكرة إلى تعزيز الشراكات الاستراتيجية في قطاع الطاقة، ودعم مسارات التنمية والاستثمار، إلى جانب الاستكشاف البحري والتنقيب عن النفط والغاز في المياه الإقليمية السورية.

دعم اقتصاد سوريا

تأتي هذه المبادرة في وقت يحتاج فيه الاقتصاد السوري إلى مصادر جديدة للطاقة، ورفع سقف الشراكات الدولية بعد سنوات من العزلة الاقتصادية.

لذلك، تُعد مذكرة التفاهم جزءاً من إرادة سورية لتوسيع التعاون مع شركاء إقليميين، حيث سبق أن وقعت دمشق في يونيو الماضي سلسلة اتفاقيات مع قطر في مجالات الطاقة والمصارف، إضافة إلى اتفاق آخر ثلاثي قطري – تركي – أمريكي لتطوير مشاريع الكهرباء بقيمة نحو 7 مليارات دولار.

ويعكس ذلك رغبة واضحة في بناء بيئة استثمارية جديدة تواكب التطورات في المنطقة.

من جانب آخر، يتضح أن الرهان السوري على الخبرات القطرية في أولى خطوات التنقيب البحري ليس مجرد خيار تكتيكي، بل استثمار استراتيجي في المعرفة والتقنية المتقدمة.

بدورها، فإن قطر، التي صنعت من حقلها البحري الأكبر في العالم نموذجاً يُحتذى به في إدارة الموارد الغازية والتنمية المستدامة، تقدم لسوريا فرصة نادرة لتجاوز العقبات التقليدية التي تواجه المشاريع البحرية الكبيرة، وتحويلها إلى مشروع يقوم على العلم والكفاءة والقدرة التشغيلية.

قيمة الشراكة مع قطر

منذ اكتشاف حقل الغاز الشمالي في السبعينيات، نجحت دولة قطر في بناء واحدة من أنجح منظومات الغاز الطبيعي المسال (LNG) في العالم، واعتمدت منذ البداية على تطوير البنية التحتية البحرية المتقدمة، وشراكات مع كبريات شركات الطاقة العالمية.

انتقال سوريا إلى مرحلة التنقيب البحري عن الغاز يمثل تحدياً فنياً ومعرفياً كبيراً، إذ يتطلب خبرة طويلة في تقدير الاحتياطيات، والتعامل مع قاع البحر العميق، وتقنيات تنقيب متقدمة لم تُستخدم من قبل في المياه السورية. وهنا تكمن قيمة الشراكة مع الجانب القطري.

فمنذ سنين طويلة تعمل قطر على اكتساب الخبرات في قطاع إنتاج الغاز، حتى أصبحت إحدى أبرز الدول المستثمرة فيه، ويمكن استعراض إمكانياتها الكبيرة من خلال التالي:

حقل الشمال: ينتج المشروع 126 مليون طن سنوياً من الغاز الطبيعي المسال بحلول عام 2027، مما سيعزز إنتاج قطر للطاقة بنحو 64% من إنتاجها الحالي البالغ 77 مليون طن سنوياً.

مشروع غاز برزان: تصل طاقته الإنتاجية إلى نحو 1.4 مليار قدم مكعبة من الغاز يومياً.

خارجياً نفذت قطر العديد من الاستثمارات في قطاع الغاز، ويمكن معرفة مكانة غاز قطر في هذا المجال من خلال ذكر الاستحواذات القطرية خلال العامين الماضيين فقط (2024 و2025)، وكان أهمها:

5 أكتوبر 2025، توقيع اتفاقية مع شركة "شل" للاستحواذ على 27% في منطقة "شمال كليوباترا" قبالة سواحل مصر.

1 سبتمبر 2025، الحصول على رخصة تنقيب واستكشاف بحري في جمهورية الكونغو.

18 يونيو 2025، الفوز برخصة للتنقيب والاستكشاف في الجزائر.

15 ديسمبر 2024، توقيع اتفاقية مع شركة هارماتان للطاقة المحدودة للاستحواذ على حصة من رخصة التنقيب عن البترول، واتفاقية البترول المتعلقة بمنطقة بحرية تقع قبالة سواحل جمهورية ناميبيا.

24 نوفمبر 2024، توقيع اتفاقية مع "توتال إنرجيز" للاستحواذ على حصتي استكشاف جديدتين قبالة سواحل ناميبيا.

11 نوفمبر 2024، توقيع اتفاقية مع شركة شيفرون للاستحواذ على 23% في اتفاقية الامتياز الخاصة بمنطقة شمال الضبعة قبالة السواحل المصرية.

12 مايو 2024، توقيع اتفاقية مع شركة إكسون موبيل للاستحواذ على 40% في منطقتين استكشافيتين قبالة السواحل المصرية.

مردود مادي مستقبلي

يرى الخبير الاقتصادي د. فراس شعبو أن اتفاقية الاستثمار القطري الأمريكي في استكشاف الغاز والنفط قبالة الساحل السوري تحمل في مرحلتها الراهنة دلالات سياسية تتقدم على مردودها الاقتصادي.

وأوضح شعبو في حديثه لـ"الخليج أونلاين"، أن دخول شركات أمريكية إلى هذا النوع من المشاريع يشكل كسراً جزئياً للعزلة الاقتصادية المفروضة على سوريا، ومن جانب آخر، يبعث بإشارة إيجابية للأسواق، ويمكن التعامل معه بوصفه اختبار ثقة أولياً أكثر من كونه مشروعاً ذا عوائد مباشرة.

ويشير إلى أن الاستكشاف البحري بطبيعته مسار طويل ومعقد، إذ يحتاج إلى سنوات من العمل التقني قبل التوصل إلى نتائج مؤكدة.

وحتى في حال إثبات وجود احتياطات قابلة للاستخراج، فإن الانتقال إلى مرحلة الإنتاج – بحسب شعبو – يتطلب سنوات إضافية، إلى جانب بيئة مستقرة واستثمارات ضخمة وبنية تحتية مؤهلة، وهي شروط لا يمكن تجاوزها في هذا النوع من المشاريع الاستراتيجية.

اقتصادياً، يصف شعبو المشروع بأنه استثمار واعد لكنه مؤجل العائد، حيث إن ثماره الحقيقية ستظهر على المدى المتوسط إلى الطويل، مع ما يمكن أن يوفره مستقبلاً من موارد وفرص مالية للدولة.

في المقابل، يلفت إلى أن المردود السياسي يبدو أكثر حضوراً في المرحلة الحالية، نظراً لارتباط المشروع بشركة أمريكية لا تدخل بطبيعة الحال في بيئات عالية المخاطر دون غطاء سياسي واضح.

ويؤكد أن الاتفاق الموقع لا يتجاوز كونه مذكرة تفاهم خاصة بمرحلة الاستكشاف، ما يعني أن الطريق ما يزال طويلاً قبل الحديث عن إنتاج فعلي، لكنه يندرج ضمن سياق أوسع من الخطط الاستراتيجية، التي تهدف إلى إعادة فتح قنوات اقتصادية محسوبة، واختبار مساحات جديدة للحركة في المشهدين السياسي والاقتصادي على حد سواء.