في 2026/10/12
متابعات
رغم مرور أسبوعَين على زيارة نائب رئيس الإمارات، منصور بن زايد، إلى السعودية، لم تَظهر حتى الآن أيّ مؤشرات عملية توحي بإحراز تقدّم في معالجة الخلافات بين البلدَين، وذلك خلافاً للتوقّعات التي رجّحت أن تكون الزيارة قد أفضت إلى تسوية نقاط الخلاف العالقة بين الجانبَين، ولا سيما في ملف اليمن. ويبدو أن الرياض ليست مُستعدّة للقبول بمطالب أبو ظبي التي تدفع نحو حصر إدارة ملفّ المحافظات الجنوبية في يدها، انطلاقاً من اعتبارها تلك المحافظات مجال نفوذها، وحصّتها السياسية والعسكرية لقاء كونها سابقاً الشريك الثاني في «التحالف العربي». غير أن السعودية تنظر إلى هذه المطالب من زاوية استراتيجية أوسع؛ إذ تخشى أن يؤدّي التسليم بالنفوذ الإماراتي في الجنوب، إلى تقويض ما تبقّى من أوراقها في المُعادلة اليمنية، من دون ضمان تحقيق تقدّم مماثل في الشمال.
ورغم الموقف الصعب الذي يواجهه الجانب السعودي في اليمن، وحاجته إلى الاستفادة من كلّ الأرواق، إلا أن حكومة عدن الموالية للرياض لا تزال تتّهم رئيس «المجلس الانتقالي الجنوبي»، عيدروس الزبيدي، بالخيانة العظمى. كما أن بعض النشطاء السعوديين، أو المحسوبين على الرياض، يتّهمون أبو ظبي بالتواطؤ مع حكومة صنعاء، والتنسيق معها على الأرض بواسطة القادة الميدانيين التابعين لـ»الانتقالي». وفي المقابل، لا تملك الإمارات ترف الانخراط المباشر في الحرب إلى جانب السعودية، ولا سيما في ظلّ إحجام قوى دولية وإقليمية كبرى عن هكذا تورّط - بسبب ما يترتّب عليه من مخاطر أمنية واستراتيجية -، فضلاً عن أن الإمارات لا تزال تعيش تداعيات الحرب الإسرائيلية - الأميركية على إيران، وليس من المُفيد لها الانزلاق إلى مواجهة أخرى ترتّب عليها كلفة مرتفعة. ووفق مراقبين، فإن الحالة الوحيدة التي يمكن أن تقرّر الإمارات فيها المشاركة المباشرة في الحرب على اليمن، هي انخراط الولايات المتحدة فيها، ضمن خطّة شاملة تحفظ فيها أبو ظبي حصّتها من الغنيمة. وهذا تماماً ما حصل عام 2021، حين عادت إلى اليمن بطلب من واشنطن للدفاع عن مأرب في مواجهة «أنصار الله»، وذلك بعد أن كانت أعلنت رسمياً الانسحاب منه عام 2019. وحتى وقتذاك، لولا تعرّض المنشآت الحيوية للإمارات للاستهداف من جانب قوات صنعاء، وتشكيلها تحدّياً مباشراً للأمن والنمو الاقتصادي للدولة، لما عاودت أبو ظبي تدخّلها في المعركة.
الآن، توحي مواقف الإعلام الإماراتي والمنصّات الجنوبية المحسوبة على أبو ظبي، بأن الأخيرة لم تتجاوز بعد تداعيات ما تعتبره إهانة قاسية تعرّضت لها على يد الجانب السعودي، في نهاية العام الماضي، حين أُخرجت من المحافظات الجنوبية قسراً. لا بل إن كثيراً من النشطاء والسياسيين الجنوبيين لا يخفون شماتتهم بإخفاقات الرياض، سواء على مستوى إدارة العمليات العسكرية، أو حماية المُنشآت الحيوية. ومن ذلك مثلاً، قول الكاتب والناشط صلاح بن لغبر، المحسوب على «المجلس الانتقالي الجنوبي»، والمقيم في أبو ظبي، في منشور على منصة «إكس»، إنه كلّما قرأ ما يكتبه خبراء سعوديون، من صحافيين ومثقّفين وأساتذة جامعيين، يزداد إدراكاً لأسباب الإخفاقات المُتتالية، عازياً هذه الأخيرة إلى ما وصفه بـ»الجهل المذهل باليمن، أرضاً، وإنساناً، وتاريخاً، ومجتمعاً، فضلاً عن سطحية التفكير». كذلك، ورغم أن «ألوية العمالقة» تتشكّل بشرياً من مقاتلين سلفيين جنوبيين، ولا سيما من محافظة لحج، فإن خطاب «المجلس الانتقالي الجنوبي» يبدو، خلافاً لمواقف سابقة، أكثر تشدّداً في تحديد شروط مشاركته في العمليات العسكرية، إذ يربط هذه المشاركة بالدفاع عن الجنوب وقضيته السياسية، ويرفض الزجّ بالمقاتلين الجنوبيين في مواجهات الشمال من دون مقابل. وهذا ما أعلنه الزبيدي على قناة «سكاي نيوز عربية»، حين قال إن القوات الجنوبية استعادت السيطرة على مناطق في المضاربة، وباب المندب، وجزيرة ميون، مضيفاً أن الجنوبيين لن يقبلوا أن تُنسب «انتصارات قواتهم» إلى جهات أخرى. كما ربط «تضحيات» القوات الجنوبية بهدف إقامة «جنوب مستقلّ ذي سيادة».
وفي خضمّ هذه الأجواء، يستعدّ «الانتقالي»، لإحياء ذكرى ثورة 14 تشرين الأول ضدّ الاستعمار البريطاني، وذلك عبر تنظيم فعّالية جماهيرية في عدن، يسعى من خلالها إلى تحويل المناسبة إلى استفتاء شعبي على حضوره السياسي. كما يطمح المجلس إلى توظيف الحشد الجماهيري لتوجيه رسالة واضحة إلى الرياض، مفادها أنه لا يزال رقماً صعباً في المعادلة الجنوبية، وأن محاولات تهميشه أو عزله ليست ناجعة.