علاقات » ايراني

ما بعد الحرب.. كسر الثقة يعيد تشكيل العلاقة بين الخليج وإيران

في 2026/04/08

طه العاني - الخليج أونلاين

تدخل العلاقات الخليجية الإيرانية مرحلة جديدة عقب توقف الهجمات العسكرية في أعقاب الإعلان عن وقف إطلاق نار مؤقت بين الولايات المتحدة وإيران من المؤمل أن يؤهل لتوافق نهائي، في وقت تتجه فيه الأنظار إلى تداعيات المرحلة السابقة التي شهدت استهداف طهران لمنشآت مدنية في دول مجلس التعاون.

وخلال الأسابيع الماضية من الحرب شددت المواقف الخليجية على رفض أي تهديد لأمنها وسيادتها، مع تأكيد أن مستقبل العلاقات سيبقى مرتبطاً بسلوك إيران خلال المرحلة المقبلة.

وفجر الأربعاء (8 أبريل)، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وقف إطلاق النار على إيران لمدة أسبوعين شريطة فتح الملاحة في مضيق هرمز.

ولاحقاً، أعلن شهباز شريف رئيس الوزراء الباكستاني أن إسلام آباد ستستقبل وفوداً من الولايات المتحدة وإيران، الجمعة (10 أبريل) لإجراء مفاوضات تهدف إلى التوصل إلى اتفاق نهائي.

يأتي ذلك بعد أن اشتعلت الحرب في 28 فبراير الماضي، حيث بدأت دولة الاحتلال الإسرائيلي والولايات المتحدة ضربات على إيران، ما أسفر عن آلاف القتلى والجرحى، واغتيال قادة بارزين، في مقدمتهم المرشد علي خامنئي ومسؤولون أمنيون.

وردت طهران بإطلاق صواريخ ومسيرات باتجاه "إسرائيل"، كما استهدفت دول الخليج العربي إضافة إلى العراق والأردن ما تسبب بسقوط قتلى وجرحى وإلحاق أضرار بأعيان مدنية واقتصادية ومنها مطارات ومنشآت للطاقة ومبان حكومية، وهو ما أدانته دول العالم وعلى رأسها العواصم الخليجية.

هجمات مكثفة

وحتى مساء الثلاثاء، أي اليوم الـ39 للحرب، تعرضت دول مجلس التعاون الخليجي لموجة مكثفة من الهجمات الإيرانية منذ 28 فبراير الماضي استهدف معظمها منشآت وأعيان مدنية، بإجمالي لا يقل عن 1419 صاروخاً و4535 طائرة مسيّرة، وفق بيانات رسمية خليجية.

وتُظهر البيانات أن الإمارات كانت الأكثر تعرضاً للهجمات بإجمالي 546 صاروخاً و2221 طائرة مسيّرة، تليها الكويت بـ365 صاروخاً و803 مسيّرات، ثم السعودية بـ99 صاروخاً و907 مسيّرات.

كما سجلت البحرين اعتراض 188 صاروخاً و477 مسيّرة، فيما تعرضت قطر لـ221 صاروخاً و108 طائرات مسيّرة، في حين كانت سلطنة عُمان الأقل استهدافاً بـ19 طائرة مسيّرة فقط دون تسجيل هجمات صاروخية.

شرخ في العلاقة

وكشف العدوان الإيراني أنه تسبب في تحول عميق في بنية العلاقات بين دول الخليج وطهران، إذ يشكل ضربة مباشرة لما يمكن وصفه بـ"التفاهم الهش" الذي حكم العلاقة بين الجانبين، خلال السنوات الماضية.

وبالرغم من الانفتاح الخليجي على العلاقة مع إيران في الأعوام الأخيرة، إلى أن الهجمات الإيرانية على دول مجلس التعاون أثبتت سوء النية في تعامل طهران مع جيرانها.

وفي هذا السياق، لم يعد الحديث يدور حول احتواء تداعيات الحرب فحسب، بل حول إعادة رسم قواعد العلاقة ذاتها، وهو ما أشار له بندر العطية، السفير القطري في السعودية.

حيث أكد، في مقابلة مع قناة "العربية" السعودية (السبت 21 مارس)، أن "العدوان الإيراني السافر على الأراضي القطرية ودول الخليج أحدث شرخاً واسعاً في الثقة مع إيران، وسيترك أثراً عميقاً على مستقبل العلاقات الخليجية الإيرانية"، مشيراً إلى أن دول المجلس لن تتردد في اتخاذ خطوات تحمي سيادتها وأمنها.

وأضاف: "إيران وحدها من بيدها إزالة الشرخ الواسع في الثقة عبر الأفعال لا الأقوال"، مضيفاً أن "دول الخليج ستتعامل مع طهران مستقبلاً بشكل مختلف في مختلف المجالات".

وأكد العطية أن قطر ودول الخليج عملت منذ بداية التصعيد على خفض التوتر وتجنب الحرب، وتمسكت بالحلول الدبلوماسية رغم الهجمات التي اعتبرها انتهاكاً لسيادة دول المجلس وتهديداً مباشراً لأمنها.

كما أكد العطية أن "التصعيد الإيراني ستكون له تبعات على علاقاتها الإقليمية".

بدوره قال مستشار الرئيس الإماراتي أنور قرقاش، في تدوينة على منصة "إكس" نشرها يوم (22 مارس): إن "العدوان الإيراني الغاشم على دول الخليج العربي يحمل تداعياتٍ جيوسياسية عميقة، ويكرّس الخطر الإيراني محوراً رئيسياً في الفكر الاستراتيجي الخليجي".

وتابع: "إيران خدعت جيرانها قبل الحرب بشأن نواياها، وكشفت عن عدوان مبيّت رغم جهودهم الصادقة لتفاديها، ما يجعل دول الخليج أمام نظام بات يشكل التهديد الأول لأمن الخليج العربي".

ويبدو أن إيران تدرك هذا الأمر، وهذا ما أكده وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في تصريحات لـ"الجزيرة"، حيث أكد أنه "ستكون هناك صعوبات في بناء الثقة مع دول الجوار مستقبلاً"، لكنه أعرب عن ثقته بإمكانية عودة بنائها.

تحرك خليجي

في المقابل أظهرت دول الخليج تحركاً سياسياً متسارعاً ومتماسكاً، جمع بين الإدانة الجماعية والإجراءات الدبلوماسية والتنسيق الإقليمي.

فقد احتضنت الرياض، في 18 مارس، اجتماعاً وزارياً ضم دولاً عربية وإسلامية، أكد في بيانه الختامي إدانة الهجمات الإيرانية، والمطالبة بوقفها فوراً، مع التشديد على أن مستقبل العلاقات مع طهران مرهون باحترام السيادة وعدم التدخل، ووقف دعم المليشيات.

وعلى المستوى الثنائي، اتخذت قطر، في 18 مارس، خطوة تصعيدية بطرد الملحق العسكري والأمني في السفارة الإيرانية، عقب العدوان الإيراني على مدينة "راس لفان" الصناعية التي تضم أكبر مصفاة للغاز المسال في العالم.

كما حذت السعودية حذو قطر وأعلنت، في 21 مارس، طرد الملحق العسكري بسفارة إيران لدى المملكة ومساعده وثلاثة من أعضاء طاقم البعثة، رداً على استمرار "العدوان الإيراني السافر".

وفي السياق ذاته، اعتبرت الإمارات والبحرين وعمان العدوان الإيراني تصعيداً خطيراً وانتهاكاً للقانون الدولي، وتهديداً مباشراً لأمن المنطقة واستقرارها.

تراجع الثقة

يؤكد الباحث في العلاقات الدولية، طه عودة أوغلو، أن "القصف الإيراني غير المسبوق الذي استهدف منشآت حيوية ومطارات في دول الخليج، سيترك تداعيات سلبية عميقة على مستقبل العلاقات المشتركة".

ويضيف لـ"الخليج أونلاين":

- هذه التطورات دفعت دول الخليج نحو تعزيز تحالفاتها الدفاعية وتشكيل تكتلات إقليمية رادعة.

- هذا تجلى في الحراك الدبلوماسي والعسكري المكثف بين الرياض وأنقرة وإسلام آباد والقاهرة، بهدف بناء منظومة صد منيعة ضد أي اعتداءات مستقبلية.

- دول الخليج راهنت طويلاً على لغة الدبلوماسية وسياسة ضبط النفس، إلا أنها أدركت عدم نجاعة هذا المسار مع طهران التي استغلت التهدئة لتحقيق أهداف عسكرية.

- هذا الأمر فرض الانتقال من "القوة الناعمة" إلى استراتيجية ردع واضحة تتصدى لأي محاولات تصعيد قادمة.

- الرسالة الخليجية القادمة عنوانها العريض أن "أمن الخليج خط أحمر" لا يقبل المساومة أو التفاوض تحت أي ضغط.

- الاجتماعات والاتصالات المكثفة الأخيرة توحي بتحول جذري وكبير في التعامل مع السياسات الإيرانية في المنطقة.

- الإجراءات القطرية المتعلقة بالملحقين العسكريين تمثل نقطة تحول بارزة، خاصة أن التصعيد الإيراني طال دولاً بذلت جهوداً مضنية خلال السنوات الماضية للوساطة والحل.

- هذه الخطوات يمكن اعتبارها تحركاً استباقياً يعكس اصطفافاً خليجياً أكثر تشدداً تجاه طهران، نتيجة استمرار سياساتها التي تستهدف استقرار الجوار، مما جعل من الضروري اتخاذ مواقف حازمة تنهي مرحلة التردد في مواجهة التهديدات المباشرة.

- المواقف الخليجية الحادة ترسم اليوم "خطوطاً حمراء" واضحة، مفادها أن أي تقارب مستقبلي مع إيران يجب أن يخرج من إطار الوعود الشفهية إلى حيز الضمانات الأمنية الدولية الملزمة.

- استعادة العلاقات مرهونة بتعزيز عامل الثقة المفقود حالياً، ووضع نقاط واضحة على الحروف تضمن عدم تكرار الخروقات.

- المنطقة تجاوزت صيغ التقارب التقليدية، وباتت تبحث عن استقرار مستدام تحميه مظلة دولية واتفاقات أمنية رصينة.