في 2026/10/26
الخليج أونلاين
زيارة وفد رفيع من السعودية وتركيا وباكستان إلى طهران، ليست تحركاً بروتوكولياً عابراً؛ فهي تأتي في لحظة تتقاطع فيها مخاطر اتساع الحرب مع تعثر المساعي الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة، وتزايد المخاوف من عودة المواجهة العسكرية.
ويكتسب الوفد أهميته من مستوى تمثيله؛ إذ يضم وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان، وقائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير، ورئيس جهاز الاستخبارات التركي إبراهيم قالن، لعقد مشاورات مع مسؤولين إيرانيين بشأن الأمن الإقليمي.
رسالة أمنية قبل أن تكون وساطة سياسية
تنبع أهمية الزيارة من طبيعة الدول المشاركة فيها. فالسعودية وتركيا وباكستان ليست أطرافاً متطابقة في حساباتها، لكنها تجمع اليوم مظلة دفاعية مشتركة أُعلن عنها في أغسطس/آب الماضي، تنص على أن الاعتداء على إحدى الدول الأعضاء يُعامل باعتباره اعتداءً على الجميع.
وجاء تعزيز التنسيق بين هذه الدول وسط تصاعد الهجمات الحوثية على السعودية، ما يضع الوفد أمام معادلة دقيقة: حماية أمن دول المنطقة، ومنع تحول الترتيبات الدفاعية الجديدة إلى محور مواجهة أوسع مع إيران.
ومن هنا، فإن الذهاب إلى طهران يحمل رسالة مزدوجة: أن دول التحالف مستعدة لتنسيق قدراتها الدفاعية، لكنها لا تغلق الباب أمام الحوار مع إيران. وقد يكون من مصلحة هذه الدول توضيح حدود الاتفاق الدفاعي، والبحث في ضمانات تمنع استهداف أراضيها ومنشآتها، وتحد من انتقال الحرب إلى جبهات إضافية.
وتبرز باكستان في هذا السياق بوصفها قناة اتصال مهمة بين واشنطن وطهران، فيما تمنح مشاركة السعودية وتركيا التحرك ثقلاً إقليمياً يتجاوز الوساطة الثنائية. لكن لا توجد حتى الآن معطيات معلنة تثبت أن الوفد يحمل اتفاقاً جاهزاً أو مبادرة مكتملة لاستئناف المفاوضات الأمريكية الإيرانية؛ لذلك ينبغي التعامل مع أي دور تفاوضي محتمل باعتباره هدفاً مرجحاً للتحرك، لا نتيجة محسومة.
النووي ومضيق هرمز: عقدة التسوية
تأتي الزيارة فيما تبدو المفاوضات الأمريكية الإيرانية عالقة بين انعدام الثقة وتباعد الشروط. فواشنطن تريد تسوية تتناول الملف النووي الإيراني، بينما تصر طهران على معالجة مطالبها الأمنية ورفع الحصار البحري الأمريكي.
وكانت إيران قد أبلغت، عبر الوساطة الباكستانية، استعدادها لإعادة فتح مضيق هرمز مقابل رفع الحصار عن موانئها، لكن الخلاف بشأن هذه الشروط أبقى الطريق إلى اتفاق أوسع مسدوداً.
ويزيد المشهد تعقيداً اقتراب انتخابات التجديد النصفي الأمريكية المقررة في الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني. فبينما أعلن الرئيس دونالد ترامب أنه لن يشن هجوماً جديداً على إيران قبل الانتخابات، نقلت رويترز عن مسؤولين إيرانيين مخاوفهم من استئناف الضربات بعدها، في ظل استمرار التهديدات وانهيار الثقة بين الطرفين. وهكذا، لا تتحرك المنطقة على أرضية وقف مستقر للحرب، بل وسط هدنة هشة واحتمالات تصعيد لا يمكن استبعادها.
هل تستطيع طهران تحويل الزيارة إلى فرصة؟
قد تتيح هذه الزيارة مخرجاً من المأزق إذا أحسنت إيران قراءة الرسالة الإقليمية، وتعاملت معها باعتبارها فرصة لفتح مسار تفاوضي جاد، لا مجرد محاولة لاحتواء تداعيات الحرب. فالقبول بمفاوضات واضحة حول الملف النووي، بالتوازي مع بحث الضمانات الأمنية ورفع الحصار وترتيبات الملاحة في هرمز، يمكن أن يخلق أرضية عملية لاستئناف الحوار مع واشنطن، مع دور إقليمي ضامن أو مسهّل.
لكن نجاح المسعى يتوقف على استعداد الأطراف لتقديم تنازلات متبادلة؛ إذ لن يكون في مقدور الدول الثلاث فرض تسوية على طهران أو واشنطن، كما أن أي اتفاق نووي لا يتضمن ضمانات قابلة للتحقق قد يصطدم سريعاً بأزمة الثقة المتراكمة.
في المحصلة، لا تعني زيارة وفد تحالف مكة أن الحرب باتت وشيكة أو أن التسوية أصبحت قريبة بالضرورة. لكنها تكشف أن القوى الإقليمية تخشى كلفة استمرار المواجهة، وتسعى إلى منع انفجارها مجدداً.
ويبقى السؤال الأهم: هل تستثمر طهران هذا التحرك لفتح باب التفاوض من موقع الواقعية السياسية، أم تتمسك بشروطها القصوى حتى تضيق مساحة المناورة أكثر، وتعود لغة السلاح لتفرض مسار الأحداث؟