في 2026/02/06
يوسف حمود - الخليج أونلاين
جاءت زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان للسعودية مطلع فبراير الحالي 2026، في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، تتقاطع فيه ملفات الأمن والدفاع مع الاقتصاد والسياسة، وسط تصاعد التوترات الجيوسياسية في أكثر من ساحة، من إيران إلى البحر الأحمر، ومن غزة إلى السودان.
في هذا المشهد، لا تُقرأ الزيارات الرسمية بوصفها بروتوكولاً دبلوماسياً، بل باعتبارها أدوات لإدارة المخاطر واستشراف التحالفات المقبلة، فالمنطقة تعيش مرحلة انتقالية في خرائط النفوذ، مع تراجع اليقين بالترتيبات التقليدية، وعودة منطق التكتلات المرنة بدلاً من التحالفات الصلبة.
السعودية، التي تنخرط منذ سنوات في إعادة صياغة دورها الإقليمي، تبدو معنية بتوسيع هامش الخيارات، وفتح قنوات متعددة مع قوى إقليمية مؤثرة، دون الارتهان لمسار واحد أو محور مغلق، فيما اكتسبت زيارة أردوغان للرياض دلالات تتجاوز العلاقات الثنائية، خصوصاً مع تزامنها مع حديث متزايد عن تفاهمات دفاعية محتملة تضم السعودية وتركيا وباكستان، ومع تحركات تركية نشطة باتجاه القاهرة في اليوم التالي.
زيارة الرياض
زار الرئيس التركي السعودية يوم 3 فبراير 2026، حيث شارك في منتدى أعمال تركي–سعودي، يضم مسؤولين حكوميين وممثلين عن القطاع الخاص من الجانبين، ويُنتظر أن يركز المنتدى على تعزيز التبادل التجاري والاستثمار والتعاون الصناعي، بما في ذلك الصناعات الدفاعية.
وفي البيان الختامي للزيارة، أعربت السعودية وتركيا عن قلق بالغ إزاء تدهور الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة، واستمرار العدوان الإسرائيلي، وإعاقة دخول المساعدات الإنسانية، حيث أشار البيان إلى أن الجانبين ناقشا مستجدات الأوضاع الإقليمية، وفي مقدمتها التطورات الخطيرة في غزة، في ظل استمرار العمليات العسكرية وإغلاق المعابر ومنع وصول الإغاثة.
وجدد البيان تأكيد السعودية وتركيا عزمهما على مواصلة التنسيق السياسي والدبلوماسي في القضايا الإقليمية والدولية، والعمل المشترك لخفض التصعيد، وتعزيز فرص التهدئة، وحماية الأمن والاستقرار في المنطقة.
في السياق الإقليمي، جدد الجانبان دعمهما لوحدة اليمن وسيادته وسلامة أراضيه، مؤكدين رفض أي محاولات لتقسيم البلاد أو زعزعة استقرارها، ومشيدين بالجهود السعودية الرامية لإنهاء الأزمة اليمنية عبر المسار السياسي.
كما شدد البيان على دعم وحدة السودان وضرورة الحفاظ على مؤسساته الوطنية، ورفض تشكيل أي كيانات موازية خارج إطار الدولة، مع التشديد على حماية المدنيين وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية وفق القانون الدولي الإنساني.
وفي الشأن السوري، أعرب الجانبان عن دعمهما لوحدة سوريا وسيادتها، وإدانتهما للانتهاكات الإسرائيلية المتكررة على أراضيها، مطالبين بانسحاب "إسرائيل" من جميع الأراضي السورية المحتلة، ودعم الجهود الرامية لتعزيز السلم الأهلي.
وتناول البيان التطورات في الصومال، حيث أكد الجانبان دعمهما لوحدة الأراضي الصومالية، ورفض أي خطوات انفصالية أو محاولات لفرض كيانات موازية تخالف القانون الدولي وتفاقم التوتر في المنطقة.
وكشف الرئيس أردوغان أن تركيا بصدد إبرام اتفاقيات مهمة للتعاون مع المملكة العربية السعودية في مجال الصناعات الدفاعية، مشيراً إلى أنه أجرى مباحثات مثمرة للغاية مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان.
كما أوضح أن "السعودية لها مكانة خاصة لدى تركيا في مجالات الصناعات الدفاعية والنقل والصحة والاستثمارات وخدمات المقاولات"، لافتاً إلى أن حجم التبادل التجاري بين البلدين بلغ 8 مليارات دولار عام 2025.
وأضاف الرئيس أردوغان: "تولى مقاولونا تنفيذ أكثر من 400 مشروع في السعودية بقيمة إجمالية تبلغ 30 مليار دولار"، مشيراً إلى أن لدى تركيا علاقات عريقة مع السعودية ذات أبعاد ثقافية وتاريخية، وأنه جرى خلال هذه الزيارة اتفاقات مهمة لتعزيزها.
زيارة القاهرة
في اليوم التالي، زار أردوغان القاهرة، والتقى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وترأس الزعيمان الاجتماع الثاني للمجلس الاستراتيجي رفيع المستوى بين البلدين، وهو إطار مؤسسي أُنشئ لتعزيز التعاون السياسي والاقتصادي.
كما عُقد على هامش الزيارة منتدى أعمال تركي–مصري، يهدف إلى دفع التعاون التجاري والاستثماري بين أنقرة والقاهرة، حيث تأتي هذه المحطة في إطار مسار تطبيع العلاقات بين البلدين، الذي شهد تطوراً ملحوظاً خلال العامين الماضيين.
وأكد الرئيسان تنسيق بلديهما المشترك لإطلاق مبادرات تهدف إلى تحقيق السلام في قطاع غزة، مع التشديد على ضرورة تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار وعدم تعطيله، في ظل استمرار المأساة الإنسانية في القطاع.
وقال أردوغان إن الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة ما تزال "مأساوية"، مؤكداً أن تركيا تعمل مع مصر على مبادرات من شأنها تحقيق السلام في غزة، مضيفاً: "بإذن الله سنواصل القيام بذلك".
من جانبه، أكد الرئيس المصري، خلال المؤتمر ذاته، أن المباحثات مع نظيره التركي تناولت تطورات الأوضاع في غزة، مع التشديد على ضرورة تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، ورفض أي محاولات لتعطيله أو الالتفاف على خطة السلام.
شراكة دفاعية إقليمية
وتتزامن جولة الرئيس التركي مع تقارير إعلامية مختلفة تحدثت عن محادثات متقدمة بين تركيا والسعودية وباكستان بشأن تعاون أو تفاهم دفاعي، فيما ذكرت "بلومبيرغ" أن هذه المحادثات بلغت مرحلة متقدمة، مع ترجيحات بالتوصل إلى اتفاق ثلاثي.
وبحسب التقرير، فإن التفاهم المحتمل قد يجمع ثلاث دول لكل منها ثقل مختلف في المجالين العسكري والاستراتيجي، فيما لم تُعلن أي من الدول الثلاث رسمياً عن توقيع اتفاق دفاعي حتى الآن.
وفي السياق ذاته، أفادت "رويترز" بأن باكستان تقترب من إبرام صفقة تسليح كبيرة مع الجيش السوداني، بدعم من السعودية وتركيا، في مواجهة قوات الدعم السريع.
ووفق الوكالة، تشمل الصفقة المحتملة طائرات هجومية من طراز Karakorum-8، وأكثر من 200 طائرة مسيّرة لأغراض الاستطلاع والهجوم، إضافة إلى أنظمة دفاع جوي متقدمة.
ونقلت الوكالة عن ضابط متقاعد في سلاح الجو الباكستاني قوله إن الصفقة "محسومة"، مع ترجيحات بأن تتضمن أيضاً مقاتلات JF-17، وهي طائرات تُنتج بشكل مشترك بين باكستان والصين.
وتأتي هذه الصفقة في إطار دعم الجيش السوداني في الحرب الدائرة منذ أبريل 2023، وهي حرب أسفرت عن مقتل عشرات الآلاف وتشريد أكثر من 11 مليون شخص، وفق بيانات الأمم المتحدة.
توقيت بالغ الحساسية
اعتبر الباحث في الشأن التركي والعلاقات الدولية طه أوغلو، أن زيارة الرئيس التركي للمملكة العربية السعودية تأتي في توقيت بالغ الحساسية، وتحمل دلالات سياسية واضحة، يمكن قراءتها كرسالة متبادلة تؤكد أن العلاقات بين أنقرة والرياض باتت عنصراً أساسياً في معادلة استقرار الإقليم.
ويضيف أوغلو في حديثه لـ"الخليج أونلاين"، أن الزيارة "لم تقتصر على البعد الثنائي التقليدي، بل تعكس تحولاً أوسع في بنية العلاقات الإقليمية، في ظل سعي تركي سعودي لبناء شراكات قائمة على المصالح الاقتصادية والأمنية".
وأشار إلى أن الزيارة "تؤسس لمرحلة تنسيق أعمق في ملفات إقليمية حساسة، من بينها اليمن والسودان وغزة وسوريا، إلى جانب التوتر القائم بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية".
ويؤكد أن الزيارة "تكتسب أهمية خاصة من الناحية الاقتصادية، نظراً لكون السعودية شريكاً محورياً لتركيا في مجالات الاستثمارات المباشرة، والتعاون في قطاع الطاقة، والأهم في الصناعات الدفاعية"، لافتاً إلى أن أنقرة تسعى من خلالها إلى جذب استثمارات خارجية طويلة الأمد في ظل ضغوط مالية يمر بها الاقتصاد التركي.
ويضيف أوغلو أن السعودية، من جهتها، "تسعى إلى توسيع شبكة تحالفاتها ضمن رؤية 2030، وتعزيز حضورها في السوق التركية، ليس فقط في مجالي التجارة والصادرات، بل بشكل أوسع في الصناعات الدفاعية"، كما يرى أن الزيارة يمكن قراءتها أيضاً "كمحاولة تركية لتثبيت موقع أنقرة كلاعب إقليمي مركزي".
ويرى أن نجاح الزيارة سيقاس "بنتائجها العملية على الأرض خلال الأسابيع والأشهر المقبلة، خصوصاً في ما يتعلق بخفض التوترات الإقليمية، سواء في ملف إيران والولايات المتحدة، أو في غزة، أو في اليمن، إضافة إلى الحرب الدائرة في السودان".
العلاقات التركية السعودية
وشهدت العلاقات التركية السعودية خلال السنوات الأخيرة، توسعاً في مجالات متعددة، من بينها التعاون العسكري والصناعات الدفاعية، وسبق أن شاركت شركات دفاعية تركية في معارض عسكرية أُقيمت في السعودية، كما أُعلن عن اهتمام متبادل بتطوير التعاون في مجال التصنيع العسكري.
وتُعد تركيا من الدول التي حققت تقدماً في إنتاج الطائرات المسيّرة والأنظمة الدفاعية متوسطة الكلفة، وهي مجالات تحظى باهتمام عدد من دول المنطقة.
وتأتي الجولة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، خاصة مع استمرار الحرب في غزة، وتطورات الملف الإيراني، وتعدد الأزمات في سوريا واليمن والسودان، كما تشهد المنطقة تحركات دبلوماسية متزامنة من عدة أطراف لإعادة ترتيب العلاقات والتحالفات.
وتُظهر الزيارة التركية للسعودية ومصر أن أنقرة تتحرك على أكثر من محور إقليمي في توقيت واحد، مع التركيز على التنسيق السياسي والاقتصادي.