في 2026/05/16
طه العاني - الخليج أونلاين
تُوسّع سلطنة عُمان حضورها الاستثماري في تركيا عبر الدخول إلى قطاعات استراتيجية تجمع بين التعدين والصناعات الدفاعية والتقنيات المسيّرة، في خطوة تعكس توجّهاً متصاعداً نحو الاستثمارات المرتبطة بالأمن الصناعي ونقل التكنولوجيا.
وتكشف الاتفاقيات الجديدة عن سعي مسقط لتأمين موارد ذات قيمة عالية وتطوير شراكات تقنية متقدمة، مستفيدة من الصندوق العُماني التركي المشترك.
كما تعكس هذه الاتفاقيات تسارع التحول في طبيعة التعاون الاقتصادي بين مسقط وأنقرة، من شراكات تجارية واستثمارية تقليدية إلى مشاريع مرتبطة بالأمن الصناعي والتكنولوجيا وسلاسل التوريد الاستراتيجية.
معادن استراتيجية
وفي تحرك يعكس تصاعد اهتمام مسقط بالموارد ذات القيمة الاستراتيجية، أعلن جهاز الاستثمار العُماني، في 9 مايو 2026، توقيع اتفاقية لشراء حصة في شركة "ساماش" التركية المتخصصة بإنتاج "بنتونايت الصوديوم"، عبر الشركة التركية العُمانية للاستثمار التابعة للصندوق العُماني التركي المشترك.
ويُعد "بنتونايت الصوديوم" من المواد ذات الأهمية الاستراتيجية، ويُستخدم في قطاعات حيوية تشمل النفط والغاز والصناعات التحويلية والمستحضرات الطبية والتجميلية، ما يمنح الصفقة بعداً يتجاوز الاستثمار التجاري إلى تأمين سلاسل الإمداد للقطاعات الصناعية والطاقة داخل السلطنة.
وبحسب وكالة الأنباء العُمانية، تشغل "ساماش" مكمن "توكات" في تركيا، الذي يُعد أحد المكمنين الوحيدين المتبقيين عالمياً لهذه المادة، مع تقديرات تشير إلى امتداد احتياطياته لنحو 200 عام.
وتستهدف الاتفاقية رفع الطاقة الإنتاجية للشركة من 160 ألف طن سنوياً إلى أكثر من 300 ألف طن سنوياً، مع منح عُمان أولوية شراء المادة لتلبية احتياجات القطاعات المحلية.
وفي السياق ذاته ذكرت وكالة "الأناضول" التركية، في 9 مايو 2026، أن الاتفاق مع "ساماش" سيوفر تدفقاً للاستثمار الأجنبي المباشر بقيمة 30 مليون دولار، ضمن مساعي توسيع الاستثمارات الصناعية المشتركة بين أنقرة ومسقط.
وقال رئيس استثمارات الأسواق الخاصة في جهاز الاستثمار العُماني إبراهيم بن سعيد العيسري، إن الجهاز يسعى عبر هذه الاستثمارات إلى تفعيل نهج "البعد العُماني" في الاستثمارات الخارجية، بما يخدم القطاعات المحلية ذات الأولوية، ومنها النفط والغاز والصناعة واللوجستيات.
تقنيات مسيّرة
وفي موازاة الاستثمار المعدني اتجهت عُمان إلى قطاع الصناعات الدفاعية المتقدمة عبر شراء حصة في شركة "تيكاترون" التركية المتخصصة بالمعدات العسكرية البرية المسيّرة عن بُعد، والتي تتخذ من أنقرة مقراً لها.
ووفق جهاز الاستثمار العُماني، تستهدف الصفقة مع "تيكاترون" تنويع المحفظة الاستثمارية عبر الدخول إلى قطاعات ذات أبعاد استراتيجية، بالتوازي مع تعزيز الاستفادة من الأنظمة العسكرية المتطورة المستخدمة في أمن الحدود والمراقبة والجوانب اللوجستية العسكرية.
كما أوضحت وكالة "الأناضول" أن "أوياك ترك عُمان للاستثمار" وقّعت مذكرة تفاهم غير ملزمة للاستحواذ على حصص في "تيكاترون تكنولوجي"، إحدى أبرز الشركات التركية العاملة في مجال المركبات البرية غير المأهولة.
وأضافت الوكالة أن خطط رفع رأس المال في الشركة تستهدف رفع القدرة الإنتاجية داخل تركيا، وتوسيع مشاريع البحث والتطوير، وتمويل استثمارات محتملة لإنشاء منشآت إنتاج خارج البلاد، ما يفتح المجال أمام تعاون صناعي وتقني أوسع بين الجانبين.
وجاء إعلان الاتفاقيتين خلال معرض "ساها 2026" الدولي لصناعات الدفاع والطيران والفضاء في إسطنبول، الذي يُعد من أكبر الفعاليات الدفاعية في المنطقة، بمشاركة أكثر من 120 دولة و1700 شركة، بينها 263 شركة أجنبية، وأكثر من 200 ألف زائر و30 ألف متخصص.
وكان جهاز الاستثمار العُماني وصندوق "أوياك" التركي قد أطلقا في عام 2025 الصندوق العُماني التركي المشترك برأسمال 500 مليون دولار، بواقع 250 مليون دولار لكل طرف، بهدف دعم الاستثمارات المشتركة ونقل التقنية في قطاعات التعدين واللوجستيات والصناعة والزراعة والطاقة المتجددة.
ويمنح هذا التوجه عُمان هامشاً أوسع لتنويع محفظتها الاستثمارية الخارجية وربطها بالاحتياجات المحلية، خاصة في القطاعات المرتبطة بالطاقة والصناعة والأمن التقني.
أبعاد عميقة
يؤكد الكاتب والمحلل السياسي د. يوسف كاتب أوغلو أن التعاون التركي العُماني يمثل نموذجاً للشراكات الاستراتيجية، إذ تسعى تركيا لتقوية حلفائها من خلال تبادل المنافع ونقل الخبرات النوعية، وتوسيع نطاق النشاط التصنيعي والتجاري المشترك بما يخدم المصالح القومية للطرفين.
ويضيف لـ"الخليج أونلاين":
- ما يميز هذه العلاقة هو التنامي المتسارع في الاستثمارات المتبادلة، في ظل التحركات الدبلوماسية والاتفاقيات الدفاعية التي جرى توقيعها مؤخراً، والتي تهدف إلى توطين التكنولوجيا المتقدمة في السلطنة.
- دخول عُمان قطاع الطائرات المسيرة يعكس وعياً استراتيجياً بضرورة امتلاك أحدث المنظومات الدفاعية.
- تركيا التي باتت تصدر صناعاتها لدول كبرى في حلف الناتو، تضع هذه الخبرة الوطنية تحت تصرف جهاز الاستثمار العُماني لدفع الصناعات الدفاعية العُمانية نحو مستويات عالمية.
- اهتمام مسقط بالحصول على أولوية شراء مادة "بنتونايت الصوديوم" لعقود طويلة يحمل أبعاداً اقتصادية عميقة، مما يعزز القيمة المضافة للمنتجات العُمانية، ويخلق تكاملاً صناعياً بين الموارد الطبيعية والخبرة التصنيعية.
- تركيا تمنح أفضلية الشراكة للدول التي ترتبط معها باتفاقيات استراتيجية متينة، وتأتي سلطنة عُمان في طليعة هذه الدول، حيث تسهم هذه الاتفاقيات في تأمين سلاسل التوريد ودعم القطاعات الإنتاجية الحيوية بعيداً عن تقلبات السوق العالمية.
- تدفق رؤوس الأموال الخليجية نحو قطاع التعدين التركي يمثل رافداً قوياً للخزينة، ويساعد في تطوير تقنيات استخراج المعادن الحيوية، مما ينعكس إيجاباً على قوة الاقتصاد التركي.
- سلطنة عُمان باتت شريكاً لا غنى عنه في ظل التحديات الإقليمية المتزايدة، وسياسة الاستثمار المشترك في القطاع الدفاعي هي الضمانة الأكيدة لتحقيق الاستقرار وتجاوز التهديدات الأمنية التي تفرضها التحولات الجارية في المنطقة.