علاقات » خليجي

45 عاماً على تأسيس مجلس التعاون الخليجي.. إنجازات وتحديات

في 2026/05/25

طه العاني - الخليج أونلاين

قبل أكثر من أربعة عقود شهدت المنطقة ولادة مجلس التعاون الخليجي، حيث أعلن تأسيسه في 25 مايو 1981، وذلك من العاصمة السعودية الرياض، التي تستضيف المقر الرسمي للمجلس، ويضم ست دول عربية هي السعودية والكويت والإمارات وقطر والبحرين وسلطنة عمان.

ويؤكد النظام الأساسي للمجلس العمل من أجل "تحقيق التنسيق والتكامل والترابط بين الدول الأعضاء في جميع الميادين، وصولاً إلى وحدتها"، لكن ورغم نجاح دول مجلس التعاون في تعزيز العلاقات الاقتصادية فيما بينها، فإن طموحات الوحدة الشاملة لم تتحقق بعد.

ظروف النشأة

بعد سلسلة من الاجتماعات التحضيرية عقد وزراء خارجية الدول الخليجية الست مؤتمراً في الرياض، بتاريخ 4 فبراير 1981، ووقعوا في ختام أعماله على وثيقة إعلان قيام "مجلس التعاون لدول الخليج العربية".

ولاحقاً، عقدت القمة الخليجية الأولى يومي 25 و26 مايو 1981 في أبوظبي، تلبية لدعوة الشيخ الراحل زايد بن سلطان آل نهيان، واتفق خلالها رسمياً على إنشاء مجلس التعاون، كما وقع القادة على النظام الأساسي الذي يهدف إلى تطوير التعاون بين هذه الدول، وتوثيق الروابط القائمة بين شعوبها في مختلف المجالات.

وتبلورت فكرة إنشاء مجلس التعاون الخليجي بعد سلسلة من الزيارات المتبادلة بين قادة دول الخليج، الذين أكدوا ضرورة التنسيق والتكامل المشترك فيما بينهم، ووصفها مراقبون بأنها أهم منظومة سياسية أعلنت في العالم العربي في النصف الثاني من القرن العشرين.

ويوضح المحلل السياسي الكويتي محمد مساعد لـ"الخليج أونلاين"، أن بداية نشأة مجلس التعاون كانت على وقع التهديدات الخارجية وقيام الثورة الخمينية في إيران، وكانت انطلاقة المجلس قوية، حيث استطاعت دول الخليج من خلاله التعامل مع الخارج بشكل موحد، مما أعطاها ثقلاً كبيراً مختلفاً عن أحجامها السابقة وهي فرادى.

واستطاع المجلس تحقيق عدد لا بأس به من الإنجازات في مجالات الدفاعية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والصحية؛ مثل درع الخليج، والاتحاد الجمركي، والتعاون الصحي، وغيرها من الاتفاقيات المثمرة، وفق مساعد.

ويردف: "استطاع المجلس توحيد مواقفه في القضايا الإقليمية والدولية الكثيرة، ونجح بطريقة أو بأخرى من خلال تكتله في حفظ كل أو بعض المصالح الخليجية فيها، إلا أن عدم وجود آلية إلزامية لتوحيد كافة المواقف، نتج عنها في بعض الأحيان تباين في المواقف وصل إلى حد الاصطفاف في محاور متقابلة في الإقليم".

وعن ظروف تشكيل المجلس أيضاً يقول عبد الله بشارة، الذي شغل أول منصب أمين عام للمجلس: إن "قرار إنشائه جاء متأثراً بالظروف الإقليمية التي برزت في ذلك الوقت، وعلى رأسها اتفاق السلام المصري الإسرائيلي والثورة الإسلامية في إيران".

ويضيف بشارة، في حديث سابق لموقع قناة "بي بي سي" البريطانية: "أيقظ الحدثان كوابيس كامنة لدى دول الخليج العربية ذات السياسة المحافظة، إذ شهد العالم العربي انشقاقات وانقسامات بعد توقيع الرئيس المصري الراحل أنور السادات لاتفاق السلام مع إسرائيل، وتفجرت على أثر ذلك مواقف وبرزت صراعات".

ويبيّن بأن "دول الخليج كانت تتبع وصفة سياسية خاصة عمادها الواقعية السياسية، وانتهاج سياسة خارجية لا عدائية، وعدم الاصطدام مع مصالح الولايات المتحدة في المنطقة"، مقابل "دول تحكمها أنظمة أيديولوجية ثورية في سوريا والعراق، ما مثل تياراً غير مألوف يدفعنا نحو المجهول".

أرقام خليجية

وحقق مجلس التعاون الخليجي خلال مسيرته الكثير من الإنجازات على الصعيد السياسي والاقتصادي والأمني، والشراكة الخارجية مع القوى الإقليمية والدولية، فضلاً عن المستوى الدفاعي والعسكري.

وأظهر تقرير صادر عن المركز الإحصائي الخليجي في مارس 2026، أن دول مجلس التعاون الخليجي تمتلك 32.7% من احتياطي النفط العالمي و21.2% من احتياطي الغاز الطبيعي، فيما شكل القطاع النفطي 24% من الناتج المحلي الإجمالي الخليجي خلال 2024.

وقال المركز، في تقرير "إحصاءات الطاقة"، إن القيمة المضافة للقطاع النفطي الخليجي بلغت 561.2 مليار دولار بالأسعار الجارية خلال 2024، بينما سجلت 541.9 مليار دولار بالأسعار الثابتة، بما يمثل 29.3% من الناتج المحلي بعد استبعاد التضخم، مضيفاً أن دول الخليج ساهمت بنحو 10% من إنتاج الغاز الطبيعي المسوق عالمياً، و13.5% من صادرات الغاز الطبيعي خلال العام الماضي.

وأشار التقرير إلى تراجع إنتاج النفط الخام الخليجي بنسبة 5.4% خلال 2024 ليصل إلى 16.1 مليون برميل يومياً، مقارنة بـ17 مليون برميل يومياً في 2023، كما انخفضت صادرات النفط الخام 7.2% إلى 11.5 مليون برميل يومياً.

وفي المقابل، سجل إنتاج الغاز الطبيعي المسوق تراجعاً طفيفاً بنسبة 0.4% إلى 442 مليار متر مكعب، مقارنة بـ443.8 مليار متر مكعب في العام السابق.

وأوضح المركز أن احتياطيات دول مجلس التعاون بلغت خلال 2024 نحو 511.9 مليار برميل من النفط الخام و44.3 تريليون متر مكعب من الغاز الطبيعي، مع متوسط نمو سنوي لاحتياطيات النفط بلغ 30.7% بين 2020 و2024.

وفي قطاع الطاقة المتجددة، بلغ إجمالي السعة المركبة في دول الخليج 14.2 غيغاوات خلال 2024، بما يمثل 0.3% فقط من السعة العالمية، بحسب التقرير، كما أشار إلى أن مشاريع الربط الكهربائي الخليجي حققت وفورات اقتصادية بنحو 540.5 مليون دولار، فيما بلغت كمية الطاقة المتبادلة بين دول المجلس نحو 1795 غيغاوات ساعة.

حقوق الخليجيّ

وحول الحقوق الخاصة بمواطني الخليج، تذكر بيانات مجلس التعاون أن المواطن الخليجي يتمتع بحرية التنقل بالبطاقة الذكية بين دول المجلس، والإقامة في أي منها، ويحق للمواطن الخليجي تملك العقار لأغراض السكن في جميع الدول الأعضاء، كما يتمتع المواطن بمظلة الحماية التأمينية والتقاعد.

إلى ذلك يحظى المواطن الخليجي بالمساواة مع مواطني الدولة التي يعمل فيها في حال التحاقه بأي دولة أخرى عضو في القطاعين الحكومي أو الأهلي، ومراجعة المراكز الصحية في دول المجلس، والالتحاق بالمدارس الحكومية في أي من دول المجلس.

ويستطيع المواطن الخليجي مزاولة الأنشطة الاقتصادية والاستثمارية والتجارية والخدمية والحرف في أي من دول المجلس، ولتسهيل ذلك سمحت قرارات مجلس التعاون للبنوك الوطنية الخليجية بفتح فروع لها في جميع الدول الأعضاء.

كما يحق للمواطن تداول وشراء الأسهم وتأسيس الشركات المساهمة في أي من دول المجلس، ويحق له فتح فروع لأي شركة امتلكها في بقية دول المجلس، ويعامل الفرع معاملة الشركات الوطنية.

وبإقامة الاتحاد الجمركي عام 2003، أصبحت المنتجات الوطنية لدول المجلس والسلع الأخرى تنتقل بين الدول الأعضاء دون قيود جمركية أو غير جمركية.

القطاع المصرفي

وأظهرت بيانات اقتصادية تزامناً مع الذكرى الـ45 لتأسيس مجلس التعاون الخليجي تنامي الثقل الاقتصادي لدول المجلس، مع بلوغ الناتج المحلي الإجمالي نحو 2.4 تريليون دولار، مدعوماً بقطاع مصرفي واستثماري يعد من الأكبر عالمياً.

وبحسب البيانات، بلغت أصول البنوك التجارية الخليجية نحو 3.9 تريليونات دولار، فيما وصلت قيمة صناديق الثروة السيادية الخليجية إلى 5 تريليونات دولار، ما يمثل 30.3% من إجمالي الصناديق السيادية في العالم.

كما سجلت ودائع البنوك التجارية الخليجية نحو 2.3 تريليون دولار، بينما بلغ حجم التبادل التجاري الخليجي 1.6 تريليون دولار، في مؤشر على اتساع النشاط التجاري والمالي لدول المجلس.

التحديات متكررة

واستطاع مجلس التعاون أن يتجاوز كافة التحديات المتصاعدة التي تشتد مع تعاظم أهمية تلك المنطقة الاستراتيجية من العالم، بالتزامن مع ما شهدته المنطقة من أزمات عسكرية وسياسية واقتصادية كان لها تبعات هائلة على استقرار وتوازن القوى الفاعلة، كأحداث حرب إيران الأخيرة وإغلاق مضيق هرمز والهجمات التي تعرضت لها الدول الخليجية.

ويبين المحلل السياسي محمد مساعد لـ"الخليج أونلاين" أنه من الصعب -بعد مضي أكثر من أربعة عقود- التعويل على تحقيق وحدة شاملة بين دول الخليج، "وهو ما جعل السقف ينزل قليلاً للعمل على تحقيق وحدة في السوق المشترك والسياسات الخارجية والدفاعية، وهي أمور لم تتحقق بعد، ولا يعتقد على نطاق واسع أنها ستتحقق في المستقبل القريب".

ويلفت لمواجهة دول مجلس التعاون تحديات كبيرة ناتجة عن التغيرات العالمية وانعكاساتها على الداخل الخليجي، "فضلاً عن الدور المفترض للمجتمعات الخليجية في هذا المجلس، الذي لم يقم حتى الآن باستيعاب متطلبات شعوبه وتطلعاتها، ويبقى الصراع مع التمدد الإيراني في المنطقة والتغلغل الصهيوني أهم التحديات التي تواجه مجلس التعاون الآن ومستقبلاً".

أستاذ تاريخ الوطن العربي، المساعد الدكتور جبار درويش الشمري، يقول إن دول مجلس التعاون واجهت منعطفات عديدة، من أهمها غزو الاتحاد السوفييتي لأفغانستان عام 1979، والذي استمر حتى عام 1989، وأيضاً كان لحرب الخليج الثانية عام 1990 أثر كبير في حدوث متغيرات وتحديات لدول المجلس.

ويضيف، في حديثه لـ"الخليج أونلاين"، أن أهم الأهداف التي حققها مجلس التعاون تمكنه من تأسيس المجلس النقدي الخليجي عام 2010، كما أعلن في عام 2007 قيام السوق الخليجية المشتركة، إضافة إلى إقامة منطقة تجارة حرة بين الدول الأعضاء في المجلس عام 1983، وفي عام 2003 تمكن من توحيد التعرفة الجمركية وحرية انتقال السلع بين دول المجلس دون قيود جمركية.