في 2025/02/26
متابعات
في 19 فبراير الجاري، استضافت مدينة ميامي الأمريكية النسخة الثالثة من "قمة الأولوية" ضمن مبادرة مستقبل الاستثمار السعودية، المعروفة بـ"دافوس الصحراء"، وشهدت القمة حضوراً بارزاً للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إلى جانب نخبة من قادة المال والأعمال العالميين.
وركزت القمة على تعزيز التعاون الاستثماري بين المملكة والولايات المتحدة، مما أسهم في إعادة تعريف مستقبل الاستثمار العالمي وبروز المملكة كلاعب رئيسي في الاقتصاد الدولي.
ومنذ إطلاقها في عام 2017، أدت مبادرة مستقبل الاستثمار دوراً محورياً في جمع القادة والمستثمرين من مختلف أنحاء العالم لمناقشة التحديات والفرص في الاقتصاد العالمي.
ومن خلال استضافة القمة في ميامي سعت المملكة إلى توسيع نطاق تأثيرها وتعزيز حضورها في الأسواق العالمية، مما يعكس التزامها بتطوير شراكات استراتيجية تسهم في تنويع اقتصادها وتحقيق أهداف "رؤية 2030".
حضور بارز
مشاركة شخصيات بارزة مثل الرئيس ترامب وقادة كبرى الشركات المالية العالمية في القمة، سلطت الضوء على أهمية التعاون الدولي في مواجهة التحديات الاقتصادية.
ترامب أكد في كلمته خلال افتتاح النسخة الثالثة من "مبادرة مستقبل الاستثمار" السعودية، تحت شعار "الاستثمار الموجه بهدف"، وهو أول رئيس أمريكي يلقي كلمة افتتاحية في المؤتمر الذي يعرف بشكل غير رسمي باسم "دافوس الصحراء"، أن العصر الذهبي للولايات المتحدة بدأ رسمياً، معتبراً أن التقدم الاقتصادي الذي حدث منذ تسلمه السلطة "مذهل".
وأضاف أن "المملكة العربية السعودية بلد عظيم، ويتمتع بقيادة عظيمة"، وأعرب عن شكره لاستضافة المملكة للمحادثات بين مسؤولين أمريكيين وروسيين.
وأكد أن "الرياض قامت بعمل عظيم لعقد هذه المحادثات"، معرباً عن شكره "بشكل خاص لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان على استضافة هذه المحادثات التاريخية".
وركزت ثالث نسخة منه على إعادة تعريف دور رأس المال بمواجهة التحديات العالمية الكبرى، مع التركيز على استراتيجيات التمويل المبتكرة، والتعاون بين القطاعين العام والخاص، والتقنيات الناشئة القادرة على تعزيز مرونة الاقتصاد واستدامته.
وفي هذا السياق أكدت السفيرة السعودية في أمريكي الأميرة ريما بنت بندر آل سعود، أهمية الاستثمار والنمو المالي، متطرقةً إلى أهمية الاستثمارات الموجهة نحو تحقيق هدف في بناء عالم أكثر إنصافاً ومرونة واستدامة.
كما أكد وزير الاستثمار المهندس خالد الفالح أن "السعودية تعدّ إحدى أكثر 10 وجهات جاذبة للاستثمار والمستثمرين حول العالم، ما يدل على تضاعف ثقة المجتمع الدولي بشأن الاستثمارات في المملكة"، مشيراً إلى أن "هناك كثيراً من المؤشرات التي يجب تسليط الضوء عليها، أبرزها ارتفاع عدد المستثمرين الأجانب في المملكة من أقل من 8 آلاف مستثمر إلى 40 ألف مستثمر حاليا منذ بدء رؤية 2030".
وأضاف أن "25% من الاستثمارات الأجنبية المباشرة الموجودة في المملكة جاءت من الولايات المتحدة"، مشيراً إلى أن "الاستثمارات السعودية في الولايات المتحدة تبلغ حالياً أكثر من 750 مليار دولار".
كما شدد وزير المالية السعودي محمد الجدعان على أن "الاقتصاد السعودي بشكل عام ينمو بشكل متميز ومستدام ومستقر بشكل مطمئن جداً، وبدأ يأخذ شكلاً واضحاً في التنوع يحوي في طياته مجموعة كبيرة من القطاعات الجديدة والواعدة"، لافتاً إلى أن "صوت المملكة يعلو على الساحة الدولية، وأن دورها الفاعل سياسياً واقتصادياً أصبح أكثر وضوحاً على مدار السنوات العشر الماضية".
دور عالمي
وأصبحت السعودية تؤدي دوراً محورياً في تشكيل مستقبل الاستثمار العالمي من خلال مجموعة من المبادرات والاستراتيجيات التي تهدف إلى تعزيز الاقتصاد المحلي وجذب الاستثمارات الأجنبية.
وتعتزم المملكة افتتاح مكتب استثماري في ميامي بعد أن تعهد ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بتعزيز الاستثمارات في الولايات المتحدة بقيمة 600 مليار دولار، في يناير الماضي.
وذكر وزير الاستثمار خالد بن عبد العزيز الفالح، خلال قمة ميامي أنه بالإضافة إلى "الاستثمار في أمريكا ستستخدم السعودية ميامي كبوابة إلى أمريكا الجنوبية. وسيكون مقر (استثمر في السعودية) في مدينة فلوريدا هو الثاني في الولايات المتحدة بعد واشنطن"، مضيفاً: "السعودية ستضيف إلى العقول العظيمة التي تتدفق لتتخذ من ميامي مقراً لها".
وتمثل الاستثمارات الأمريكية المباشرة في السعودية أكثر من 50 مليار دولار، مشكلةً نحو 25% من رصيد الاستثمار الأجنبي في البلاد، بحسب الفالح.
كما عملت المملكة على تصويب خطوات ترامب التجارية، فقد حث محافظ صندوق الاستثمارات العامة السعودي ياسر الرميان -خلال القمة- إدارة الرئيس الأمريكي على تخفيف بعض القيود على الاستثمارات، بما يعمل على جذب مزيد من الاستثمار إلى الولايات المتحدة.
كما أوضح أن "40% من أموالنا المستثمرة عالمياً يتم توظيفها هنا في الولايات المتحدة، كان من الممكن أن تكون أكثر من ذلك بكثير لولا القيود الأمريكية".
ولم يخفِ الرميان دور بلاده في الاستثمار بـ"الذكاء الاصطناعي"، حيث أشار إلى أن "السعودية لديها المقومات لتكون لاعباً مؤثراً في هذا القطاع، خاصة في ظل تخفيف القيود وتهيئة البيئة التنظيمية، وتوافر الأموال اللازمة للاستثمار، وجذب الأجانب، وتوافر الطاقة اللازمة لتشغيل مراكز البيانات"، مشيراً إلى "ضرورة الاستثمار بحكمة حين يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي".
وتتخوف الأسواق من تأثيرات سياسات ترامب على الاقتصادين الأمريكي والعالمي، خصوصاً مع تهديده لأكبر شركائه التجاريين بفرض رسوم جمركية على غالبية الواردات، وفي مقدمتها رسوم بـ25% على السيارات والرقائق والأدوية في أبريل المقبل.
بوصلة السعودية
وتعمل المملكة على تعزيز الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي وتنويع الاقتصاد السعودي وخفض اعتماده على صادرات النفط الخام، من خلال تعزيز جذب الاستثمار الأجنبي المباشر.
كما يعتبر صندوق الاستثمارات العامة السعودي أحد أكبر الصناديق السيادية في العالم، حيث يدير أصولاً تقارب 925 مليار دولار. يستثمر الصندوق في مشاريع محلية ودولية، مثل شركة "لوسيد موتورز" للسيارات الكهربائية، بهدف تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على النفط.
ومن خلال "قمة الأولوية" تسعى الرياض إلى تعزيز التعاون الدولي وتوجيه الاستثمارات نحو مشاريع تحقق تأثيراً إيجابياً على البشرية، مع التركيز على الابتكار والاستدامة كركائز أساسية لمستقبل الاقتصاد العالمي.
وفي هذا السياق يتوقع بيير فضول، المدير الإداري لشركة "سكوير أسوشيتس" السنغافورية، أن "تتوجه الاستثمارات السعودية الجديدة إلى قطاعات مثل التكنولوجيا والدفاع والطاقة، بهدف ضمان تحقيق أهداف المملكة الاستثمارية".
كما يشير في تصريح لموقع "الشرق بلومبيرغ إلى أن "حجم الاقتصاد السعودي يفوق التريليون دولار، لكن زيادة استثمارات المملكة في السوق الأمريكية بمقدار 600 مليار دولار خلال 4 سنوات ليس أمراً يسيراً، لذا فإن القطاع الخاص والمكاتب العائلية قد تؤدي دوراً رئيسياً في الوصول إلى هذا المبلغ خلال السنوات المقبلة".
وحققت السعودية في السنوات الأخيرة قفزات نوعية بتحسين بيئة الأعمال والاستثمار، وذلك من خلال تطوير منظومة القوانين والتشريعات الاقتصادية، شملت تحسينات في إجراءات تأسيس الشركات وتسهيل الحصول على التراخيص اللازمة، مما يقلل من التعقيدات الإدارية ويزيد من سهولة ممارسة الأعمال في المملكة.
ويشير رئيس اللجنة التنفيذية لمعهد مستقبل الاستثمار العالمي "FII" ريتشارد أتياس، إلى أن مشاركة الرئيس الأمريكي في قمة ميامي 2025، تعكس مدى أهمية المملكة الاستثمارية على الساحة العالمية.
كما أوضح أن مشاركة ترامب "تسلط الضوء على العلاقات القوية بين الولايات المتحدة ومجتمع الاستثمار الدولي"، مشيراً في مقابلة مع صحيفة "الاقتصادية" (19 فبراير) إلى أن "الاستثمار بهدف عنوان القمة يعكس التركيز المتزايد على الاستثمارات الاستراتيجية التي تدفع النمو المستدام والشامل، كما يجسد الالتزام بتوجيه الاستثمارات إلى المبادرات التي تولد عوائد اقتصادية وتأثيراً مجتمعياً إيجابياً".