في 2026/01/13
كامل جميل - الخليج أونلاين
لم تعد تحركات سوق الأسهم السعودية في مطلع عام 2026 مجرد ارتداد فني أو موجة مضاربية عابرة، بل باتت تعكس تحولاً أعمق في المزاج الاستثماري، مدفوعاً بقرارات تنظيمية مفصلية ورسائل ثقة موجهة للأسواق العالمية.
فمع استمرار تحقيق السوق السعودي المكاسب، تتقدّم السوق بخُطا حذرة لكنها واثقة مدفوعة بالانفتاح الكامل الذي يُراد منه تحويل الزخم اللحظي إلى استدامة طويلة الأجل.
اللافت أن هذا الصعود يأتي بعد عام صعب فقدت فيه السوق السعودية أكثر من 13% من قيمتها، وتخلفت عن أداء معظم الأسواق الناشئة، ما يجعل المكاسب الحالية محملة بدلالات تتجاوز الأرقام اليومية، لتلامس أسئلة أعمق تتعلق بجاذبية السوق وقدرتها على استعادة ثقة المستثمر المحلي والدولي في آنٍ معاً.
مكاسب رابعة
واصلت الأسهم السعودية صعودها بعد قرار السماح لفئات المستثمرين الأجانب غير المقيمين بالاستثمار المباشر في السوق الرئيسية، وخلال جلسة الاثنين 12 يناير 2026، سجلت مكاسب للجلسة الرابعة توالياً، حيث ارتفع المؤشر العام "تاسي" بنسبة 0.77% ليصل إلى 10692 نقطة، مدعوماً بصعود جميع الأسهم القيادية.
وقاد قطاع المواد الأساسية موجة الارتفاع، بدعم من أسهم البتروكيماويات والأسمنت، إذ قفز سهم "سابك" بأكثر من 3% مسجلاً أعلى مستوى له في شهر، فيما صعد سهم "معادن" بأكثر من 5% ليصل إلى 67.7 ريالاً.
وتزامن هذا الأداء مع استمرار ارتفاع أسعار النفط، حيث جرى تداول خام برنت فوق 63 دولاراً للبرميل، في حين اقترب خام غرب تكساس الوسيط من مستوى 60 دولاراً، ما وفر دعماً إضافياً للمعنويات في السوق.
تحسّن في المزاج الاستثماري
بحسب موقع "إنفستنغ"، فإن صعود السوق في أولى جلسات الأسبوع يعكس تحسناً نسبياً في المزاج الاستثماري، في ظل غياب محفزات سلبية مؤثرة، واستقرار أسعار النفط، وترقب المستثمرين لمستجدات اقتصادية قد تحدد الاتجاه خلال الفترة المقبلة.
وأشار الموقع إلى أن محللين يرجحون استمرار الأداء المتذبذب الإيجابي على المدى القصير، مع مراقبة مستويات الدعم والمقاومة الفنية، وتفاعل المستثمرين مع نتائج الشركات والتطورات الاقتصادية محلياً وعالمياً.
وأكدوا أن السوق ما تزال قادرة على استعادة التوازن وتحقيق مكاسب تدريجية، إذا ما حافظت على زخمها الحالي دون ضغوط خارجية مفاجئة.
بدوره يرى خبير الأسواق المالية محمد العمران، أن المكاسب الأخيرة التي حققتها السوق السعودية تعكس عودة الثقة، مدفوعة بقرار فتح السوق أمام جميع فئات المستثمرين الأجانب وتمكينهم من الاستثمار المباشر.
ويوضح في حديثه لقناة "العربية Business" أن هذه الخطوة أعادت تنشيط السيولة وأسهمت في تسجيل عدة جلسات متتالية من الارتفاع.
من جهة أخرى يشير العمران إلى أن المسار الصاعد مرشح للاستمرار على المدى القريب، في ظل تحسن المعنويات وترقب المستثمرين لمزيد من التطورات الاقتصادية والتنظيمية.
المرحلة الحالية -وفق العمران- تمثل اختباراً لقدرة السوق على تحويل هذا الزخم إلى مسار مستدام، من خلال الحفاظ على التوازن وتعزيز الشفافية واستمرار الإصلاحات، بما يدعم بناء سوق أكثر نضجاً وجاذبية على المدى المتوسط والطويل.
قرار فتح السوق
في 6 يناير 2026، أعلنت هيئة السوق المالية اعتماد الإطار التنظيمي، الذي يسمح لكافة فئات المستثمرين الأجانب غير المقيمين بالاستثمار المباشر في السوق الرئيسية.
هذه الخطوة التي سيبدأ تطبيقها في 1 فبراير المقبل، عملت على إلغاء مفهوم "المستثمر الأجنبي المؤهل" وأنهت العمل باتفاقيات المبادلة.
وتهدف هذه التعديلات، وفق بيان الهيئة، إلى:
توسيع قاعدة المستثمرين.
تعزيز السيولة.
دعم تدفق الاستثمارات الدولية.
وتشير الإحصائيات إلى أن ملكية المستثمرين الأجانب بلغت في نهاية الربع الثالث من 2025 أكثر من 590 مليار ريال، منها 519 مليار ريال في السوق الرئيسية.
تحول كبير
مؤسسات مالية كبرى، من بينها "جي بي مورغان" و"إي إف جي هيرميس" و"فرانكلين تيمبليتون"، تتوقع أن يؤدي هذا الانفتاح إلى تدفقات لا تقل عن 10 مليارات دولار، مرجحة أن تكون البنوك، وعلى رأسها الراجحي والأهلي السعودي، من أبرز المستفيدين.
في هذا الإطار، أكد وزير الاستثمار خالد الفالح، خلال مشاركته في المنتدى الوزاري السعودي – الياباني للاستثمار، يوم الأحد 11 يناير الجاري، أن عام 2026 سيشهد تحولاً كبيراً في فتح السوق المالية والعقار أمام المستثمرين الأجانب.
ولفت إلى أن تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر تضاعفت منذ إطلاق رؤية 2030 لتصل إلى 119.2 مليار ريال في 2024.
وحسب مراقبين فإن السوق السعودية تخطو بثقة نحو العالمية، لكن النجاح الحقيقي لن يُقاس بسرعة الصعود، بل بقدرتها على تحويل هذا الانفتاح إلى علاقة طويلة الأمد مع رأس المال العالمي.
بهذا الشأن تؤكد الكاتبة منى العتيبي أن فتح السوق المالية السعودية أمام المستثمرين الأجانب يمثل خطوة محورية في مسار التحول نحو العالمية.
لكنها من جانب آخر تلفت إلى أن هذا التحول لا يكتمل من دون معالجة تفاصيل تشغيلية، تؤثر مباشرة في قرارات الاستثمار الدولي.
في مقالها "سوقنا العالمي" المنشور في صحيفة "عكاظ"، تشير العتيبي إلى أن المستثمر الأجنبي لا يبحث عن فرص ربح فقط، بل عن سوق يفهم آلياته ويتيح له التفاعل اللحظي مع المتغيرات.
وتبرز الكاتبة السعودية مسألة توقيت التداول بوصفها أحد أبرز التحديات، إذ إن اختلاف ساعات التداول بين السوق السعودية والأسواق العالمية الكبرى يحد من مرونة المشاركة الأجنبية ويؤثر على كفاءة إدارة المحافظ الاستثمارية.
علاوة على هذا ترى أن عامل الوقت لم يعد تفصيلاً فنياً، بل أصبح عنصراً حاسماً في عالم المال سريع الإيقاع.
لذلك تدعو العتيبي إلى إعادة التفكير في هيكلة توقيت السوق، سواء عبر مواءمته مع التوقيت العالمي أو اعتماد فترتي تداول، بما يعزز الحضور الدولي للسوق السعودية.
وتشدد على أن التحدي الحقيقي لا يكمن في جذب تدفقات سريعة، بل في استقطاب استثمارات طويلة الأمد تضيف عمقاً واستقراراً، وهو ما يتطلب بيئة واضحة، وشفافية أعلى، وتطويراً مستمراً للأدوات والمنتجات المالية، على حدّ قولها.