دول » السعودية

مساعدات مليارية.. كيف رسّخت السعودية حضورها الإنساني عالمياً؟

في 2026/01/17

طه العاني - الخليج أونلاين 

تُواصل المملكة العربية السعودية ترسيخ حضورها الإنساني على الساحة الدولية، عبر نهج مؤسسي يجعل من العمل الإغاثي جزءاً ثابتاً من دورها العالمي، مستنداً إلى استمرارية التمويل واتساع رقعة التدخل، لا إلى الاستجابة الظرفية للأزمات فقط.

ويعكس الحجم التراكمي للمساعدات السعودية، وتنوع برامجها الإنسانية والتنموية، تحوّل هذا الدور إلى رافعة تأثير ناعمة، تُعزز موقع المملكة بوصفها فاعلاً إنسانياً قادراً على الجمع بين سرعة الاستجابة وبناء الأثر طويل الأمد.

مساعدات ممتدة

وتكشف الأرقام التراكمية للمساعدات السعودية عن مسار طويل بدأ منذ عقود، يقوم على الانتشار الجغرافي الواسع وتعدد أدوات الدعم، ما جعل العمل الإنساني أحد الملفات الأكثر ثباتاً في السياسة التنموية للمملكة.

وقدّمت السعودية، منذ تأسيسها وحتى نهاية عام 2025، مساعدات إنسانية وتنموية وخيرية تجاوزت 142 مليار دولار، وفق بيانات رسمية صادرة في 20 ديسمبر 2025، وهو رقم يضعها ضمن أكبر الدول المانحة عالمياً من حيث الحجم والتوزيع الجغرافي، بحسب وكالة الأنباء السعودية "واس".

وشملت هذه المساعدات تنفيذ 8,457 مشروعاً في 173 دولة حول العالم، ما يعكس اتساع نطاق التدخلات السعودية وتنوعها، بين الإغاثة العاجلة، والمشاريع التنموية، والدعم الصحي، والأمن الغذائي، وإعادة التأهيل، في دول تعاني من نزاعات مسلحة أو أزمات إنسانية مزمنة.

ويمثل إنشاء مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، في 13 مايو 2015، نقطة تحول مؤسسية في إدارة هذا الملف، حيث عمل المركز منذ تأسيسه على تنظيم وتوحيد الجهود الإغاثية السعودية ضمن إطار يقوم على الشفافية والحياد والاحترافية.

ووفق البيانات الرسمية، نفّذ المركز 3,911 مشروعاً في 109 دول، بقيمة إجمالية تجاوزت 8.255 مليارات دولار حتى ديسمبر 2025.

ولا تقتصر دلالة هذه الأرقام على حجم التمويل فقط، بل تعكس تطوراً في فلسفة العمل الإنساني السعودي، التي باتت تربط بين الإغاثة الفورية وبناء القدرة على التعافي، من خلال دعم القطاعات الحيوية وتمكين المجتمعات المتضررة من تجاوز آثار الأزمات، بدل الاكتفاء بالمعالجات المؤقتة.

بصمة إنسانية

ويؤكد الناشط الإغاثي أركان الراوي أن حضور المملكة العربية السعودية الإنساني كبير جداً، لافتاً إلى أن هذا الوجود كان واضحاً في اليمن وسوريا والعراق وغيرها.

ويشير في حديثه مع "الخليج أونلاين" إلى أن جمعية الملك سلمان للإغاثة والعمل الإنساني تمثل نموذجاً عملياً على الأرض، مبرزاً أنها الأكثر نشاطاً وتأثيراً، ما يعكس قوة وتأثير جهود المملكة في المجال الإنساني.

ويوضح الراوي أن حضور السعودية كفاعل دولي موثوق يعزز صورتها بشكل كبير، ويؤكد أن هذا الوجود يسهم في تقوية العلاقات السياسية مع دول الجوار والدول العربية.

كما يشير الناشط الإغاثي إلى أن تعظيم العمل الإنساني سيكون له أثر كبير وفارق ملموس على الصعيد الدولي.

ويرى الراوي أن المملكة قادرة على توسيع حملات الإغاثة الطارئة بشكل أكبر مما هو قائم حالياً.

ويردف قائلاً بأن ما تمتلكه من موارد ومقومات إنسانية يمكن أن يترك بصمة إنسانية أوسع وأعمق، ويحقق تأثيراً أكبر في تمكين المجتمعات المتضررة واستدامة التعافي.

تدخلات نوعية

وتُدار الجهود الإنسانية السعودية عبر مقاربة تتجاوز حجم التمويل وعدد المشاريع، إلى طبيعة التدخل ذاته، حيث يجري تصميم البرامج وفق خصوصية كل أزمة، وبما يضمن استجابة مرنة وقابلة للتكيّف مع البيئات الإنسانية المعقدة.

وفعّل مركز الملك سلمان للإغاثة مسارات متعددة لإيصال المساعدات إلى قطاع غزة، شملت جسوراً جوية وبحرية لنقل المواد الغذائية والطبية والإيوائية، إلى جانب التعاون مع أطراف إقليمية لتنفيذ عمليات إسقاط جوي، بما مكّن من تجاوز القيود المفروضة على المعابر وضمان استمرار تدفق الإمدادات الإنسانية.

كما شملت الجهود توقيع شراكات مع منظمات دولية لتنفيذ مشاريع إغاثية مباشرة تستهدف الفئات الأكثر تضرراً.

وفي سوريا، اتخذت الاستجابة السعودية طابعاً مزدوجاً، جمع بين الإغاثة العاجلة والعمل التطوعي المنظم، عبر تسيير قوافل وجسور إغاثية، وإطلاق برامج تطوعية متخصصة شارك فيها متطوعون من مجالات طبية وإنسانية متعددة.

كما شملت الجهود إطلاق برامج نوعية للتأهيل الصحي، ضمن استجابة ممتدة لآثار النزاعات والكوارث الطبيعية.

ويُعد البرنامج السعودي لفصل التوائم الملتصقة أحد أبرز نماذج التدخل الطبي الإنساني، حيث يقدم خدماته مجاناً بالكامل للحالات القادمة من خارج المملكة، متكفلاً بمراحل العلاج كافة، من العمليات الجراحية إلى التأهيل والمتابعة.

وقد أسهم هذا البرنامج في ترسيخ حضور سعودي دولي في مجال طبي عالي التخصص، تُوّج باعتراف أممي بهذه الجهود.

وعلى صعيد التعامل مع مخلفات الحروب، نفّذ المركز برامج ميدانية لإزالة الألغام ومخلفات الذخائر، إلى جانب دعم مشاريع إعادة التأهيل الجسدي، بما في ذلك توفير الأطراف الصناعية وخدمات إعادة التأهيل للمتضررين، مع تركيز خاص على الأطفال والفئات الأكثر هشاشة.

وشكّل العمل التطوعي الخارجي ركيزة موازية للجهود الإغاثية، من خلال منصة وطنية تنظّم مشاركة المتطوعين بعد تأهيلهم، وتتيح تنفيذ برامج تطوعية خارج المملكة في مجالات الصحة والإغاثة والتنمية المجتمعية، بما يعزز استدامة الأثر الإنساني ويواكب مستهدفات رؤية السعودية 2030.

ونفّذ المركز منذ انطلاق برامجه التطوعية نحو 1209 برنامجاً شمل 57 دولة، استفاد منها أكثر من 2.5 مليون فرد، شملت مجالات متعددة أبرزها القطاع الطبي، حيث أجريت 254 ألف عملية جراحية، بالإضافة إلى البرامج التعليمية والتدريبية.

وفي إطار ضمان استمرارية العمل الإنساني، أُطلقت منصات إلكترونية مخصصة لتلقي التبرعات، أسهمت في توسيع قاعدة المانحين ودعم تنفيذ البرامج الإنسانية في مناطق الأزمات، بما يعكس تكامل الجهدين الرسمي والمجتمعي في العمل الخيري السعودي.