في 2026/04/02
سلمى حداد - الخليج أونلاين
مع اقتراب موسم الحج لعام 2026 يواجه أكبر تجمع بشري سنوي في العالم تحدياً جيوسياسياً معقداً وغير مسبوق، فمنذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير 2026، وما أعقبها من تصعيد عسكري أدى إلى إغلاق أو تقييد واسع للمجال الجوي في إيران والعراق وسوريا وأجزاء من الخليج، تحول تنظيم الحج من مهمة لوجستية روتينية ضخمة إلى عملية إدارة أزمة متعددة الأبعاد.
كما تتداخل في عملية إدارة الأزمة لموسم الحج المقبل الاعتبارات الأمنية والاقتصادية والسياسية بقوة، مما يعيد رسم خريطة السفر الجوي بالكامل، ويرفع التكاليف بشكل حاد، ويختبر قدرة المملكة العربية السعودية على تنظيم سفر واستيعاب نحو مليوني حاج تحت ضغط استثنائي.
ورغم استمرار التوترات دون بوادر تهدئة واضحة، أكدت العديد من الدول الإسلامية أن وفودها ستتوجه لأداء مناسك الحج دون أي إلغاء، ما يعني أن الموسم سيُدار بمنطق المرونة تحت الضغط، مع جعل سلامة الحجاج الأولوية المطلقة فوق كل الاعتبارات الأخرى.
إندونيسيا.. أكبر بعثة حجاج في العالم
تتصدر إندونيسيا، أكبر دولة مرسلة للحجاج بنحو 221 ألف حاج، قائمة الدول التي تتعامل مع الوضع بحذر بالغ وتخطيط احترازي.
وقد أفادت صحيفة "ذا ستريتس تايمز" السنغافورية، في تقرير نشر بتاريخ 14 مارس 2026، بأن الحكومة الإندونيسية أعدت سيناريوهات متعددة لمواجهة التصعيد، تشمل إعادة توجيه الرحلات أو تأجيلها أو تعليقها كخيار أخير، مع التأكيد على أن سلامة الحجاج تمثل الأولوية القصوى.
وفي اجتماع مع لجنة البرلمان المختصة بالشؤون الدينية والاجتماعية (اللجنة الثامنة) في 11 مارس 2026، أكد وزير الحج والعمرة الإندونيسي، محمد عرفان يوسف، أن "المبدأ الأساسي هو ضمان سلامة وأمن الحجاج كأولوية قصوى".
كما نقل موقع "جاكارتا غلوب"، في 11 مارس 2026، تصريحات نائب الوزير داهنيل أنزار سيمنجونتاك، الذي أشار إلى أن الاستعدادات بلغت نحو 95%، مع استمرار تقييم المخاطر الجوية يومياً وإعداد مسارات بديلة.
وفي تصريحات صحفية لاحقة أدلى بها في 24 مارس 2026، أكد الوزير عرفان أن موعد انطلاق أولى الرحلات في 22 أبريل 2026 لم يتغير، وأن الاستعدادات بلغت قرابة 100%، ومن ضمنها أماكن الإقامة والإعاشة والنقل داخل الأراضي المقدسة، مع استمرار التنسيق الوثيق مع السلطات السعودية.
وأوضح عرفان أن الرحلات المباشرة لا تزال متاحة حتى الآن، وأن الحكومة أعدت احتياجات الحجاج بشكل متكامل دون عوائق تمويلية حتى الآن.
كما سيعتمد سيناريو سفر الحجاج من إندونيسيا على "الممر الجنوبي" عبر المحيط الهندي ثم الأجواء الشرقية الأفريقية، متجنباً المجالات الجوية عالية المخاطر فوق العراق وسوريا وإيران والإمارات وقطر، وقد أكد المسؤولون أن أي قرار بتأجيل يتطلب التشاور مع البرلمان، وفق موقع "جاكراتا غلوب".
غرفة عمليات مركزية بالسعودية
من جانبها، رفعت المملكة العربية السعودية مستوى استعداداتها بشكل ملحوظ ومركزي، حيث أعلنت وزارة الحج والعمرة، في 31 مارس 2026، تفعيل غرفة عمليات خاصة بالتعاون مع هيئة الطيران المدني والجهات المعنية، بهدف متابعة أوضاع الحجاج القادمين من الخارج، ومعالجة التحديات الطارئة، وضمان راحتهم وسلامتهم أثناء أداء المناسك، وفق وكالة الأنباء السعودية "واس".
وخلال افتتاح "منتدى العمرة والزيارة" في المدينة المنورة، أكد وزير الحج والعمرة، توفيق الربيعة، "الجاهزية العالية" للوزارة والجهات ذات العلاقة للتعامل مع المتغيرات الطارئة في ظل الأحداث الإقليمية.
واستعرض الوزير مؤشرات إيجابية تعكس تطور البنية التحتية، ومنها أن عدد المعتمرين القادمين من الخارج بلغ 18 مليون معتمر خلال العام الجاري، بنمو تجاوز 214% مقارنة بعامي 2022 و2025.
كما ارتفعت نسبة رضا المعتمرين إلى 94% في 2025، مع تضاعف الطاقة الاستيعابية لزيارة الروضة الشريفة لتصل إلى أكثر من 15.6 مليون زائر وتطوير 87 موقعاً تاريخياً وإثرائياً.
أزمة الطيران
وفي ظل هذه الأزمة يبقى التحدي الأكبر قطاع الطيران، الذي كان أبرز المتضررين من الحرب بسبب إغلاق المجالات الجوية لمعظم دول المنطقة وتعطل عمل المطارات، ولذلك تخطط بعض الدول لتغيير مسارات رحلات الحجاج.
ونشر موقع "ترافل أند تور وورلد"، في 7 مارس 2026، تقريراً شاملاً يفصّل التغييرات الجوية لدول متعددة ومنها الهند (نحو 175 ألف حاج) التي ألغت مسارات الترانزيت عبر الخليج واعتمدت الرحلات المباشرة إلى جدة السعودية وماليزيا (31,600 حاج) التي نقلت عمليات العبور إلى مسقط باعتبارها ما زالت من الدول الأكثر أمناً بالمنطقة، وبنغلاديش (127 ألف حاج) التي صممت مسارات ملتفة عبر عمان ومصر.
كما تحدث التقرير عن أن تركيا (نحو 70 ألف حاج) ستستفيد من ممرات البحر الأحمر بحيث تصبح مصر ممراً حيوياً للرحلات المتأثرة.
ولم تقتصر أزمة النقل الجوي على إعادة رسم المسارات، بل امتدت إلى التكلفة بشكل حاد، فقد أفاد تقرير لوكالة روتيز، نشر في 28 مارس 2026، بأن أسعار وقود الطائرات قفزت بشكل كبير (من قرابة 85-90 دولاراً للبرميل قبل الحرب إلى 150-200 دولار)، مما دفع شركات الطيران إلى رفع أسعار التذاكر أو فرض رسوم وقود إضافية.
وأدى ذلك إلى ارتفاع الأسعار على بعض الرحلات بنسب تصل إلى أكثر من الضعف أو ثلاثة أضعاف في حالات معينة، مع إلغاء آلاف الرحلات عالمياً بسبب الاضطرابات.
وفي سياق الحج تحديداً، أشار موقع "ترافل أند تور وورلد" في تقريره إلى أن تكاليف الوقود والتأمين أضافت ما بين 120 و200 دولار إضافية على تكلفة سفر كل حاج في بعض الدول.
وأدى التركيز على عدد محدود من المسارات الآمنة إلى ظهور ما يُوصف بـ"عنق زجاجة جوي" في مناطق مثل البحر الأحمر ومصر وشمال أفريقيا.
كما أفاد "ترافل أند تور وورلد" بأن إعادة توجيه الرحلات عبر محاور مثل القاهرة ومسقط وإسطنبول أدى إلى ارتفاع الضغط على هذه المطارات، مع تأخيرات تشغيلية تصل إلى 48 ساعة في بعض الحالات نتيجة إعادة الجدولة وتكدس الرحلات.
الجغرافيا تحدد مصير الحجاج
ولم يعد وصول الحجاج تجربة متساوية، ففي باكستان أكد السفير أحمد فاروق، في 24 مارس 2026، وفق موقع "عرب نيوز"، أن جدول رحلات الحجاج لم يتغير وأن الترتيبات مكتملة، لكن الرحلات من بعض المدن القريبة من الحدود الإيرانية تم تعليقها مؤقتاً وإعادة توجيه الحجاج إلى مطارات رئيسية مثل كراتشي وإسلام آباد.
وفي أفريقيا، تواجه دول مثل نيجيريا تحديات من نوع مختلف، حيث لا تقتصر المشكلة على المسارات الجوية، بل تمتد إلى شركات التأمين والطيران نفسها.
ووفق موقع "ترافل أند تور وورلد"، فإن ارتفاع مخاطر الحرب أدى إلى زيادة تكاليف التأمين على الرحلات الجوية، ما دفع بعض شركات الطيران إلى تقليص عملياتها أو الانسحاب من بعض الخطوط، وهو ما انعكس على عدد الرحلات المتاحة للحجاج .
وهذا الوضع يعني أن بعض الحجاج قد يواجهون صعوبة في الحصول على رحلات مناسبة، أو يضطرون لدفع تكاليف أعلى مقابل خيارات محدودة.
في المقابل، تتمتع دول مثل تركيا بمرونة أكبر في التعامل مع هذه التحديات، بفضل موقعها الجغرافي الذي يسمح بتجنب معظم مناطق النزاع، إضافة إلى امتلاكها شبكة طيران واسعة قادرة على إعادة توزيع الرحلات بسرعة.
كما أن اعتماد بعض الدول الآسيوية على مسارات بديلة عبر المحيط الهندي وأفريقيا يمنحها هامشاً أكبر للمناورة، مقارنة بالدول التي تعتمد بشكل مباشر على أجواء الخليج.