دول » السعودية

إلى أين يقود التنافس السعودي الإماراتي في عصر الحرب؟!

في 2026/08/15

(أحمد شوقي \ راصد الخليج)

مع توقيع اتفاقات أمنية وعسكرية جديدة، وكأنها اصطفافات جيوسياسية تحاول مواكبة المستجدات في عصر الحرب، تبدو الفجوة بين دول مجلس التعاون الخليجي في اتساع، بخلاف المفترض وما تتطلبه الأوضاع الراهنة من اصطفاف حقيقي لا إعلامي، ومن تفاهمات استراتيجية عملية بفعل الخطر، لا ببيانات مشتركة تتناقض معها الممارسات العملية.

ما يدفعنا لمناقشة ذلك ورصده، هو غياب التنسيق الخليجي الحقيقي وما تجلى في غياب دول الخليج عن اتفاق مكة، كذلك شواهد استمرار الصراع السعودي- الإماراتي في الملفات الإقليمية المختلفة، ما يشعرنا- نحن مواطنو الخليج- بمزيد من القلق والضبابية حيال مستقبلي مجلس التعاون والأمن القومي الخليجي.

المتابع لمجمل الأوضاع يرصد استمرار المنافسة الاستراتيجية بين السعودية والإمارات، في ظل الأزمات والحروب الإقليمية. لقد وصفت التحليلات الوضع الراهن بأنه "تقارب منضبط"، بحكم المصالح المشتركة والتنسيق الأمني. لكن وبالتوازي مع ذلك، هناك تباين واضح في الأهداف والأدوات في ساحات الصراع، مثل اليمن والسودان والقرن الأفريقي، إضافة إلى المنافسة في الملفات الاقتصادية والطاقة.

مجالات التنافس المحتدم إلى حد الصراع:

لقد شهدت السنوات الأخيرة تحولًا لافتًا، في طبيعة العلاقة بين السعودية والإمارات، حيث انتقلت من التحالف الوثيق إلى التنافس المتصاعد؛ ويمتد ليشمل الأبعاد الاقتصادية والسياسية والعسكرية، وهو ما تجلى في صراعات الوكلاء والاصطفافات الإقليمية المتباينة.

يمكن إيجاز هذه الملفات والتذكير بها من واقع التقارير، بشكل موجز، كما يلي:

1- البعد الاقتصادي:

هو أحد أبرز محركات التوتر بين الرياض وأبوظبي، فكلا البلدين يسعيان لتنويع اقتصاداتهما بعيدًا عن الاعتماد الكلي على النفط، ما أدى إلى تداخل في المصالح وتصادم في الطموحات. تجلى هذا في برنامج المقرات الإقليمية والضغط على الشركات العالمية، حيث أطلقت السعودية في إطار رؤيتها 2030، برنامج المقرات الإقليمية بهدف جذب الشركات العالمية لإنشاء مقراتها الإقليمية في الرياض بدلًا من دبي، والتي طالما كانت المركز التجاري والمالي للمنطقة. إذ فرضت السعودية قيودًا صارمة، فأعلنت أنه ابتداءً من 1 يناير/كانون الأول 2024، لن تتمكن الشركات التي ليس لديها مقر إقليمي في المملكة من الحصول على عقود حكومية سعودية. يمثل هذا الإجراء ضغطًا مباشرًا على الشركات العاملة في الإمارات، والتي تستهدف السوق السعودي الضخم وتحويل الاستثمارات والوظائف إلى المملكة.

كما تضمنت مظاهر التنافس الاقتصادي قيودًا تجارية، فرضتها السعودية على البضائع المصنعة في المناطق الحرة الإماراتية، بهدف ضمان القيمة المضافة المحلية للمنتجات المستوردة. أدت هذه القيود، بالإضافة إلى عوامل أخرى، إلى تأخيرات وتكدس مستمر في حركة التجارة عند الحدود بين البلدين. في يوليو/تموز 2026، أشارت تقارير إلى أن سائقي الشاحنات يضطرون للانتظار أسابيع للحصول على موافقات العبور، ما يعرقل سلاسة التبادل التجاري، ويؤثر سلبًا على الشركات.

شملت الإجراءات، أيضًا، عرقلة التحويلات المالية، ومنذ مايو/أيار 2024، وردت تقارير متعددة من شركات وأفراد في الإمارات تفيد بأن بنوكًا سعودية قامت بعرقلة أو إيقاف تحويلات مالية متجهة إلى حسابات في دولة الإمارات، لا سيما في دبي، من دون تقديم تفسيرات واضحة، على الرغم من نفي البنك المركزي السعودي وجود قيود رسمية على التحويلات إلى دول معينة، إلا أن هذه الإجراءات أثارت مخاوف من أن التوترات السياسية بدأت تؤثر مباشرة في العلاقات التجارية والمالية بين البلدين.

2- مجال النفط:

في خطوة لافتة تعكس مدى ما وصلت إليه الخلافات في سياسة إنتاج النفط، قامت الإمارات بالانسحاب رسميًا من تحالف أوبك الذي تقوده السعودية، في 1 مايو/أيار 2026. جاء هذا الانسحاب على خلفية نزاعات تتعلق بحدود وحصص إنتاج النفط، ورغبة الإمارات في زيادة إنتاجها، بشكل مستقل، يتماشى ورؤيتها الاقتصادية المتنوعة. أجمعت تحليلات الخبراء على أن هذه الخطوة تعد ضربة لتماسك التحالف النفطي وتأكيد تباين المصالح بين الرياض وأبوظبي.

3-  الصراعات الإقليمية

امتد التنافس السعودي الإماراتي إلى ساحات الصراعات الإقليمية، حيث تدعم كلتا الدولتين أطرافًا متعارضة في عدة أزمات، ما يعمق الانقسامات ويؤجج الصراعات، وهو ما يتجلى بوضوح في اليمن والسودان والصومال.
تداعيات الصراع:

هذا التنافس المتصاعد، بين السعودية والإمارات، له تداعيات عميقة على الاستقرار الإقليمي وتوازنات القوى، حيث يؤدي دعم الأطراف المتعارضة في صراعات الوكلاء إلى إطالة أمد النزاعات وتعميق الانقسامات، ما يزيد من معاناة الشعوب ويقوض فرص السلام والاستقرار. كما يؤدي هذا التنافس إلى إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية، حيث تسعى كل دولة إلى بناء شبكة من الشركاء لتعزيز نفوذها ومواجهة خصومها، ما قد يؤدي إلى مزيد من الاستقطاب والتوتر في المنطقة.

كما يمكن للصراع أن يخرج عن السيطرة، ويصل لاشتباك مباشر بين الدولتين الخليجيتين، إذا ما تأثر الأمن القومي لكل دولة تأثيرًا مباشرًا.

الإضرار بمجلس التعاون الخليجي:

يتسبب هذا التنافس في وضع ضغوط كبيرة على مجلس التعاون الخليجي، ويهدد تماسكه وبنيته، وهو ما يقود إلى سيناريوهات سيئة. لقد أجمعت الأراء على أن الحرب الراهنة وضعت المجلس أمام ثلاثة سيناريوهات:

1- سيناريو المجلس الأكثر تعاونًا وتكاملًا؛ بفعل ضغوط المخاطر الأمنية الكبرى. 

2- سيناريو التقارب المنضبط وإدارة الخلافات.

3- سيناريو التنافس والانقسام.

مما لا شك فيه أن استمرار الخلاف على الأرض، في الملفات المختلفة كما نرى في اليمن والسودان، ومؤخرًا في ليبيا، واستمرار الاستقطاب في المحاور المختلفة، كما وجدنا في اتفاق مكة الذي لم تنضم إليه الإمارات التي تنسق مع محاور مضادة، هي كلها شواهد بأن سيناريو التنافس والانقسام هو الأرجح، بعد أن كان سيناريو إدارة الخلافات والتقارب هو الأرجح. هنا؛ يعيش المواطن الخليجي قلقًا مضاعفًا، لاسيما وأن الحرب الأمريكية- الإيرانية لمّا تضع بعد أوزارها.