في 2026/08/17
سناء أحمد إبراهيم
بعد مرور نحو أربعة أعوام على إصدار الملك السعودي، سلمان بن عبد العزيز، أمراً ملكياً، منح بموجبه نجله محمد «الحق» في ترؤّس مجلس الوزراء، صدرت، أول من أمس، ثلاثة أوامر ملكية حديثة، أولاها يقضي بإعادة تشكيل مجلس الوزراء بأعضائه الحاليين، مع تأكيد رئاسة ابن سلمان للمجلس وتكليفه باختيار أعضائه. ورغم أن هذا التكليف ليس وليد اللحظة، كون ولي العهد يتولّى ذلك المنصب فعلاً منذ 27 أيلول 2022 -بموجب استثناء من المادة 56 من النظام الأساسي للحكم ومن الأحكام ذات الصلة الواردة في نظام مجلس الوزراء-، إلا أنه يأتي هذه المرّة في سياق إقليمي مضطرب، يجعل السلطات في الممالك والإمارات الخليجية أكثر حرصاً على ترتيب أوضاعها وتحصينها.
أمّا الأمر الآخر فشمل تعيين مازن بن تركي بن عبدالله السديري في منصب رئيس «مجلس هيئة السوق المالية» بمرتبة وزير، وذلك بعد إعفاء محمد بن عبد الله القويز من هذا المنصب، في حين نصّ الأمر الثالث على إعفاء بندر الخريف من رئاسة «مجلس إدارة هيئة المحتوى المحلي والمشتريات الحكومية»، وتكليف عبد العزيز بن سلمان بالمنصب، في خطوة من شأنها تعزيز مسار سيطرة أبناء الملك سلمان تحديداً، على مفاصل الدولة.
وفي تعليقه على تلك الأوامر، يوضح القيادي في «لقاء المعارضة في الجزيرة العربية»، فؤاد إبراهيم، في حديث إلى «الأخبار»، أن قرار تولّي محمد بن سلمان رئاسة مجلس الوزراء يعود في الأصل إلى عام 2022. ويبيّن أن الفصل بين منصبَي الملك ورئيس الوزراء ليس سابقة في تاريخ المملكة السعودية، إذ جرى (الأمر نفسه) «في أواخر حياة عبد العزيز (تشرين الأول 1953)، حين عيّن ابنه سعود رئيساً للوزراء». ويشير إبراهيم إلى أن هذا الفصل «تثبّت في عهد الملك سعود (1954-1964)»، قبل أن يُعاد الجمع بين المنصبَين في عهد الملك فيصل، الذي أضاف إليهما وزارة الخارجية. واستمرّ الجمع في عهود خالد وفهد وعبد الله، وكذلك خلال السنوات الثماني الأولى من عهد سلمان. وهنا، يقدّر إبراهيم، في ضوء سيرة ابن سلمان، أن الأخير «سوف يعيد جمع المنصبَين، إلى مناصب أخرى في يده حالياً، في حال تسلّمه السلطة بعد والده سلمان».
ومنذ عام 2022، يتولّى ابن سلمان رئاسة مجلس الوزراء إلى جانب منصبه ولياً للعهد، فضلاً عن قيادته برنامج التحول الاقتصادي والتنويع المرتبط بـ«رؤية السعودية 2030»، التي تخلّى عن كثير من مشاريعها نتيجة الأزمة المالية المرتبطة بتداعيات الحرب على إيران. ويأتي تجديد تسليط الضوء على تلك المسؤوليات، بموجب أوامر ملكية، في ظلّ توجّه المملكة إلى إعلان تحالفات إقليمية جديدة، آخرها «التحالف البحري المتعدّد الجنسيات» الذي استضافت اجتماعه الثالث، و«حلف مكة للدفاع المشترك» الذي أعلنته مع تركيا وباكستان ودعت مصر إلى الانضمام فيه، وذلك بعد ثبوت عدم نجاعة المظلّة الأميركية في تأمين الحماية للمملكة.
وإلى جانب البعد الخارجي لإعادة التذكير بالأمر الملكي والتسويق له بوصفه أمراً مستحدثاً -رغم بقاء أعضاء المجلس الحاليين، والذي يجعل الخطوة أقرب إلى تثبيت هيكل الحكم التنفيذي القائم، منها إلى إعادة توزيع للسلطة-، يَبرز بعد آخر متّصل بهدف شخصي يعمل عليه ابن سلمان منذ سنوات، مرتبط بمحاولته تجاوز تبعات سجله الحقوقي. إذ يبدو، بالنسبة إلى الباحث فؤاد إبراهيم، أن ابن سلمان يحاول، عبر القرارات وتعدّد المناصب، البحث عن «طوق نجاة» من الملاحقات القانونية في الخارج، لا سيما في ظلّ استمرار الدعاوى القضائية المدنية المرفوعة ضدّه في الولايات المتحدة وفرنسا، والمرتبطة بانتهاكات وجرائم، على رأسها قتل الصحافي جمال خاشقجي (2018) في القنصلية السعودية في إسطنبول. وكانت تبعات هذه الجريمة جعلت ابن سلمان حبيس قيود أمنية وترتيبات خاصة في تحركاته، وتسبّبت في اعتذاره، خلال حزيران الماضي، عن المشاركة في «قمة السبع» في فرنسا.
هكذا، يسعى ولي العهد إلى تعزيز حصانته، بالتوازي مع إحكام سيطرته على مفاصل الحكم. وهو مسار كان بدأه منذ تولّيه ولاية العهد، وذلك عبر حملة استهداف لخصومه داخل صفوف عائلة آل سعود، بلغت ذروتها في ما عُرف بحادثة «الريتز كارلتون» عام 2017، حينما احتجز عدداً من الأمراء ورجال الأعمال، وصادر أموالاً منهم تحت شعار مكافحة الفساد. وبنتيجة تلك الحملة، تمّ تركيز السلطة في يد ابن سلمان، وتكريس نمط أكثر فردية، بما دفع المملكة تدريجياً من صيغة حكم تستند إلى عائلة آل سعود إلى ما يمكن وصفه بـ«الدولة السلمانية» (نسبة إلى سلمان)، حيث تتركّز مفاصل السلطة بصورة متزايدة في فرع واحد من العائلة.