في 2026/01/22
متابعات
جاءت زيارة الرئيس الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان لنيودلهي في توقيت سياسي لافت، وسط إعادة ترتيب موازين القوى في الخليج، وتحولات متسارعة في شبكة التحالفات الإقليمية.
وخلال الزيارة (19 يناير 2026)، أبرمت الإمارات خطاب نوايا لإقامة شراكة إستراتيجية في المجال الدفاعي، ما أثار تساؤلات سياسية وأمنية حول هدفها وحدود هذه الشراكة، وما إذا كانت بداية تموضع استراتيجي أوسع.
كما لا يمكن فصل الاتفاق الدفاعي مع الهند عن مسار إماراتي مستمر يسعى إلى تقليل الاعتماد الدفاعي على الولايات المتحدة، في وقت تتزايد فيه المخاطر الجيوسياسية، وتتعقد فيه حسابات الردع.
اتفاق دفاعي
وبحسب وكالة الأنباء الإماراتية "وام"، فإن محمد بن زايد ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي شهدا تبادل 12 اتفاقية وخطاب نوايا، شملت مجالات الدفاع، والطاقة، والتجارة، والفضاء.
ووقع خطاب النوايا حول الشراكة الدفاعية كلٌّ من وزير الخارجية الإماراتي الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان، ونظيره الهندي سوبرامانيام جايشانكار.
وفي أول تعليق رسمي، قال وزير الخارجية الهندي في تصريحات صحفية، إن توقيع خطاب النوايا الدفاعي مع الإمارات "لا يعني بالضرورة انخراط الهند في الصراعات الإقليمية"، في إشارة إلى أن "الاتفاق لا يحمل التزامات عسكرية مباشرة".
كما أشار إلى أن بلاده تنظر إلى الشراكات الدفاعية ضمن إطار بناء القدرات والتعاون، مؤكداً أن "السياسة الخارجية الهندية تقوم على الحفاظ على الاستقلالية وعدم التورط في نزاعات خارجية".
تصريح جايشانكار عكس حرص نيودلهي على طمأنة شركائها الإقليميين، في ظل حساسية المشهد الخليجي بعد توتر العلاقات السعودية الإماراتية، وتعدد خطوط التماس بين القوى الإقليمية، خاصة مع تصاعد التعاون الدفاعي بين المملكة وباكستان، وهو تطور تتابعه الهند عن كثب.
توقيت الزيارة
وتُعد هذه الزيارة هي الخامسة لمحمد بن زايد إلى الهند خلال العقد الماضي، والثالثة منذ توليه الرئاسة عام 2022، ما يعكس استمرارية تعزيز العلاقات الثنائية وتطورها المتدرج.
وكان لافتاً تزامن الزيارة وإبرام الاتفاقية الدفاعية مع وصول قوات جوية باكستانية وتركية إلى السعودية للمشاركة في مناورات "رمال النصر 2026"، وهو ما دفع وسائل إعلام هندية إلى ربط توقيت التحرك الإماراتي بالسياق الإقليمي المتغير.
إذ أشارت صحيفة "The Hindu" الهندية إلى أن محادثات محمد بن زايد ومودي شملت تطورات الأوضاع في اليمن، والعلاقات السعودية الإماراتية، إضافة إلى التعاون الدفاعي المتنامي بين الرياض وإسلام آباد، خاصة بعد توقيع اتفاق دفاع مشترك بين البلدين في سبتمبر 2025.
كما ذكرت أن الاتفاقيات الموقعة بين الإمارات والهند تعكس انتقال العلاقة الثنائية إلى مستوى يتجاوز الاقتصاد والطاقة، مع دخول ملفات الأمن والدفاع ضمن أجندة التعاون، مع التأكيد على أن الصيغة المعلنة لا تشير إلى تحالف عسكري مباشر.
أما صحيفة "Eurasia Times" الهندية، فتناولت الاتفاق في إطار أوسع، متحدثة عن إعادة ترتيب التحالفات في غرب آسيا، وطرحت تساؤلات حول إمكانية تطور التعاون الإماراتي الهندي ضمن ترتيبات أمنية أوسع، دون الجزم بمسار محدد.
وإقليمياً، لاقت الاتفاقية الهندية الإماراتية ترحيباً لافتاً من وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس، معتبراً أن تعزيز التعاون بين أبوظبي ونيودلهي يخدم الاستقرار الإقليمي والأمن البحري، وفق تصريحات نقلتها وسائل إعلام عبرية.
فيما قالت صحيفة "جيروزاليم بوست" العبرية إن الاتفاق يندرج ضمن شبكة علاقات أوسع تربط الإمارات والهند و"إسرائيل"، خاصة في إطار مبادرة الممر الاقتصادي الرابط بين الشرق الأوسط وأوروبا، مشيرة إلى أن "توثيق العلاقات بين أبوظبي ونيودلهي ستكون له انعكاسات إيجابية على هذا المشروع".
أما على الصعيد المحلي، فقد اعتبر الكاتب السياسي الإماراتي عبد الخالق عبد الله الاتفاق "خطوة مهمة" في مسار العلاقات الثنائية، مشيراً إلى إمكانية التعاون في مشاريع متقدمة كالمجال "النووي".
ترتيبات غير معلنة
الباحث في العلاقات الدولية عماد كمال يرى أن توقيع الإمارات خطاب نوايا لشراكة دفاعية مع الهند "يأتي في سياق شعور متزايد داخل أبوظبي بأن البيئة الإقليمية لم تعد مستقرة على قواعدها السابقة، وأن موازين الشراكة داخل الخليج تمر بمرحلة إعادة ترتيب غير معلنة".
ويشير كمال في حديثه لـ"الخليج أونلاين" إلى أن:
- في هذا الإطار، لا يُقرأ الاتفاق باعتباره تحالفاً عسكرياً، بقدر ما يُفهم كأداة سياسية لإدارة موقع الإمارات في مرحلة انتقالية حساسة.
- الإمارات وجدت نفسها أمام معادلة مزدوجة، من جهة تراجع مستوى اليقين في المظلة الأمريكية التقليدية، ومن جهة أخرى بروز شراكات دفاعية إقليمية جديدة لا تشعر أبوظبي بأنها جزء منها، خصوصاً مع تصاعد التعاون بين السعودية وباكستان وتركيا، وسط أزمة متصاعدة بسبب أزمتي اليمن والصومال وصولاً إلى السودان.
- الهند، في هذا السياق، تمثل خياراً ملائماً، فهي قوة نووية صاعدة، ذات حضور اقتصادي وأمني متزايد في الخليج، لكنها ليست طرفاً مباشراً في صراعاته، ولا تحمل تاريخاً من التدخلات العسكرية فيه.
- الشراكة مع الهند تمنح الإمارات هامشاً أوسع للمناورة السياسية، ورسالة غير مباشرة بأنها قادرة على تنويع خياراتها الاستراتيجية دون كسر التوازنات القائمة.
- توقيت الاتفاق لا يمكن فصله عن التوتر السياسي الخليجي الأخير، ولا عن التزامن مع تحركات عسكرية إقليمية متقاطعة، وقد يؤدي الاتفاق وظيفة ردعية سياسية أكثر من كونه ترتيباً عسكرياً، ويهدف إلى منع تهميش الدور الإماراتي في أي ترتيبات أمنية مستقبلية قد تتشكل في المنطقة.
- الشراكة مع الهند تُستخدم كأداة تحوّط، ورسالة توازن، ووسيلة لإعادة تثبيت الحضور الإماراتي كلاعب مستقل، في لحظة تتزايد فيها الضغوط، وتضيق فيها الخيارات أمام دول المنطقة.