دول » الامارات

تجارة تريليونية.. لحظة فارقة في تاريخ الاقتصاد الإماراتي

في 2026/02/07

طه العاني - الخليج أونلاين

تدخل دولة الإمارات مرحلة اقتصادية جديدة بعدما سجّلت تجارتها الخارجية غير النفطية مستوى غير مسبوق، في انعكاس مباشر لتحولات هيكلية يقودها تنويع الشراكات، وتسارع الانفتاح التجاري، وترسيخ موقع الدولة كمركز محوري للتجارة العالمية.

وتأتي هذه القفزة في توقيت تتزايد فيه المنافسة الدولية على سلاسل الإمداد والأسواق، ما يمنح الأرقام المحققة بعداً استراتيجياً يتجاوز قيمتها الرقمية.

وتكشف بيانات عام 2025 عن انتقال التجارة غير النفطية الإماراتية من مرحلة النمو المتدرج إلى مرحلة القفزات النوعية، مع تحقيق مستهدفات بعيدة المدى قبل موعدها الزمني، وهو ما يعكس جاهزية البيئة الاستثمارية وقدرتها على استيعاب توسع متسارع في حركة السلع والتبادل التجاري.

قفزة تريليونية

وتمهّد أرقام التجارة غير النفطية المسجلة خلال 2025 لمرحلة غير مسبوقة في مسار الاقتصاد الإماراتي، بعدما تخطت الحواجز التقليدية للتجارة الخارجية وبلغت مستويات تريليونية للمرة الأولى في تاريخ الدولة.

وبحسب صحيفة الاتحاد الإماراتية، في 31 يناير 2026، سجلت التجارة الخارجية غير النفطية لدولة الإمارات خلال عام 2025 نحو 3.8 تريليونات درهم (1.03 تريليون دولار)، محققة نمواً بنسبة 26.8% مقارنة بعام 2024، وبارتفاع 44.3% مقارنة بعام 2023.

كما ارتفعت بنسبة 65% مقارنة بعام 2022، وبنحو 97.4% مقارنة بعام 2021، لتقترب من ضعف مستواها المسجل قبل أربع سنوات فقط.

وفي هذا السياق، قال نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، محمد بن راشد آل مكتوم، إنه اطّلع على نتائج تقرير التجارة الخارجية، والتي أظهرت تجاوز تجارة الإمارات غير النفطية حاجز تريليون دولار لأول مرة.

وأوضح بن راشد، في حسابه على منصة "إكس"، أن هذه الأرقام كانت مستهدفات معلنة للوصول إليها بحلول عام 2031، جرى تحقيق 95% منها قبل 5 سنوات من الموعد المحدد.

وخلال الربع الأخير من 2025 وحده، بلغت قيمة التجارة غير النفطية 1.1 تريليون درهم (نحو 300 مليار دولار)، وهو أعلى مستوى فصلي يُسجل في تاريخ الدولة، بنمو 33.1% مقارنة بالفترة نفسها من 2024، ما يعكس زخماً ممتداً في حركة التجارة وليس نمواً موسمياً.

محركات النمو

ويعكس الأداء القوي للصادرات وإعادة التصدير والواردات تحوّلاً لافتاً في هيكل التجارة الإماراتية، مع تزايد وزن السلع المصنعة والمعاد تصديرها ضمن إجمالي النشاط التجاري.

وبنهاية عام 2025، بلغت قيمة الصادرات غير النفطية نحو 813.8 مليار درهم (نحو 221.7 مليار دولار)، بنمو تجاوز 45.5% مقارنة بعام 2024، وبزيادة تقارب 85% مقارنة بعام 2023، لتتجاوز بذلك ثلاثة أضعاف مستواها المسجل في 2019.

وارتفعت مساهمة الصادرات إلى 21.6% من إجمالي التجارة غير النفطية، وهو أعلى مستوى تاريخي لها، مقارنة بـ18.8% في 2024، و16.5% في 2022.

وساهم هذا الأداء في تجاوز مستهدفات "نحن الإمارات 2031" بأكثر من 13.8 مليار درهم (نحو 3.76 مليارات دولار)، مدفوعاً بتوسع الشراكات التجارية، لا سيما مع الدول المنضوية ضمن اتفاقيات الشراكة الاقتصادية الشاملة، التي بلغ عددها 14 اتفاقية دخلت حيز التنفيذ حتى نهاية 2025.

وبلغت صادرات الإمارات إلى هذه الدول نحو 175.5 مليار درهم (نحو 47.8 مليار دولار)، بنمو 18.2%، وبحصة تعادل 21.6% من إجمالي الصادرات غير النفطية.

وفي موازاة ذلك، بلغت قيمة عمليات إعادة التصدير بنهاية 2025 نحو 830.2 مليار درهم (226 مليار دولار)، بنمو 15.7% مقارنة بعام 2024، ما يعكس استمرار دور الدولة كمركز لوجستي إقليمي وعالمي.

أما واردات الإمارات من السلع غير النفطية، فقد تجاوزت 2.1 تريليون درهم (577.6 مليار دولار) خلال 2025، بنمو 25.7% مقارنة بعام 2024، مدفوعة بتوسع النشاط الاقتصادي المحلي وارتفاع الطلب على المدخلات الصناعية والاستهلاكية.

وخلال الربع الأخير من 2025، ارتفعت الصادرات غير النفطية إلى 234.4 مليار درهم (نحو 63.9 مليار دولار)، وهو رقم يعادل إجمالي صادرات الإمارات غير النفطية خلال عام 2019 بأكمله، محققة نمواً سنوياً بنسبة 53.2%.

وتؤكد هذه المؤشرات تسارع تحقيق مستهدفات الخطط الاقتصادية طويلة الأجل، حيث أكد محمد بن راشد آل مكتوم اكتمال البيئة الاستثمارية، وتضاعف الشراكات الدولية، وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، مع الدعوة إلى مضاعفة الجهد خلال المرحلة المقبلة لبناء مستقبل اقتصادي أكثر متانة واستدامة.

تحول هيكلي

ويرى الأكاديمي والخبير الاقتصادي، الدكتور أحمد صدام، أن وصول التجارة غير النفطية الإماراتية إلى مستويات قياسية يعكس النجاح الباهر لسياسات التنويع الاقتصادي، والتي جعلت من القطاعات غير النفطية المحرك الرئيسي للنمو.

ويضيف لـ"الخليج أونلاين" أن اتفاقيات الشراكة الاقتصادية الشاملة لعبت دوراً حاسماً في فتح أسواق ضخمة وسريعة النمو أمام الصادرات الإماراتية، وهو ما أسهم بشكل مباشر في تعزيز تنافسية المنتج المحلي وتسهيل نفاذ الشركات الصغيرة والمتوسطة إلى الأسواق العالمية.

كما يؤكد صدام أن هذا النمو المتصاعد للصادرات غير النفطية يشير إلى تطور هيكلي طويل الأمد في الاقتصاد الإماراتي.

ويستشهد على ذلك بنمو قطاعات صناعية استراتيجية مثل الألمنيوم والبتروكيماويات والأغذية، وهو ما يعد دليلاً ملموساً على نجاح استراتيجية التصنيع الوطنية في تطبيق أهدافها على أرض الواقع.

ويضيف الخبير الاقتصادي أن قطاع الطاقة المتجددة يلعب دوراً متنامياً في دعم التجارة الخارجية مستقبلاً، من خلال جذب الاستثمارات الدولية التي ترفع مستوى الفائض التجاري، وتعد عاملاً أساسياً في نجاح سياسات الطاقة المستدامة والتصنيع المتقدم داخل دولة الإمارات.

نفوذ تجاري

ويُظهر مسار الإمارات في تطوير التجارة والخدمات اللوجستية والصناعة المتقدمة انتقالاً مدروساً من استثمار الموقع الجغرافي إلى توظيفه كرافعة نفوذ اقتصادي إقليمي ودولي.

وبحسب تقرير نشره موقع إرم بزنس، في 22 أكتوبر 2025، نجحت الإمارات في تحويل موقعها الجغرافي إلى رأسمال اقتصادي عبر بنية تحتية متقدمة تشمل ميناء جبل علي، ومطار آل مكتوم، وشبكة قطارات الاتحاد، ما رسّخ مكانتها كمحور رئيسي في سلاسل الإمداد والتوريد العالمية.

كما يسهم قطاع التجارة والخدمات اللوجستية بنسبة تتراوح بين 12% و15% من الناتج المحلي الإجمالي، مع دور مباشر في تعزيز تنافسية الصادرات وخفض تكاليف الإنتاج.

وتدعم هذا المسار اتفاقيات الشراكة الاقتصادية الشاملة التي أبرمتها الإمارات مع عدد من الاقتصادات الكبرى، من بينها الهند وإندونيسيا وتركيا، باعتبارها أداة استراتيجية لتوسيع الحضور التجاري، وإتاحة وصول الشركات المحلية إلى أسواق جديدة ضمن بيئة أكثر انفتاحاً وأقل قيوداً.

ولا يقتصر الأثر على نمو التجارة، بل يمتد إلى ترسيخ دور الإمارات كمركز لتصدير الخدمات التجارية واللوجستية، بما يضاعف القيمة المضافة للصناعة، ويتكامل مع توجهات تطوير صناعات عالية القيمة والطاقة المتجددة، التي تؤهل الدولة للتحول نحو اقتصاد إنتاجي منخفض الكربون وقادر على تصدير المعرفة والتقنية.

وعلى صعيد التجارة الخارجية، تُظهر بيانات مرصد التعقيد الاقتصادي أن الإمارات احتلت المرتبة العشرين عالمياً في الصادرات بإجمالي بلغ 367 مليار دولار، متقدمة على دول أكبر حجماً من حيث السكان والإنتاج.

ويعزز هذا الأداء توسعاً نوعياً في هيكل الصادرات، إذ أصبحت المنتجات غير النفطية، مثل الذهب والألمنيوم والمعدات الإلكترونية، تشكّل حصة متزايدة من إجمالي التجارة، في دلالة على تعمّق مسار التنويع الاقتصادي.