دول » الكويت

توقّف الصادرات وتباطؤ النمو: الكويت تتصدّر قائمة متضرّري الحرب

في 2026/08/07

متابعات

فيما يبدو الاهتمام الإقليمي والعالمي منصبّاً على تتبّع تأثيرات الحرب على اقتصادات كلّ من السعودية والإمارات وقطر، بوصف صادراتها النفطية والغازية هي الأكبر، تتلقّى الكويت واحدة من أقسى الخسائر الاقتصادية بين دول المنطقة، مقارنةً بحجم اقتصادها وإمكانياتها. فهي، من ناحية، تتعرّض لهجمات تكاد تكون شبه ثابتة في سياق الردّ الإيراني الذي يستهدف المنشآت والمصالح الأميركية في دول المنطقة، وتحديداً تلك التي تنطلق منها الطائرات والصواريخ الأميركية، بحسب تصريحات المسؤولين الإيرانيين. ومن ناحية أخرى، فإن افتقاد البلاد ممرّات بديلة من مضيق هرمز، تسبّب في تراجع صادراتها النفطية والسلعية بنسبة كبيرة، وبالتالي حدوث انخفاض حادّ في قيمة الإيرادات النفطية، والتي تشكّل عادة ما بين 85 و90% من إيرادات الموازنة العامة السنوية للبلاد.

ومع أنه لم تَصدر إلى تاريخه أيّ تقديرات رسمية أو دولية لحجم الخسائر التي مُنيت بها الكويت من جرّاء هذه الحرب، إلّا أن المؤشرات المتعلّقة بالربع الأول من العام الحالي، والصادرة عن الإدارة المركزية للإحصاء الكويتية، تُظهر تراجعاً في الناتج المحلّي الإجمالي بنحو 5.2%؛ إذ تراجعت القيمة المضافة في القطاع النفطي إلى نحو 4.370 مليار دينار كويتي مقارنةً بنحو 5.206 مليار دينار خلال المدة نفسها من العام الماضي، فيما زادت القيمة المضافة للقطاع غير النفطي بنسبة قليلة، مسجِّلةً نحو 7.551 مليار دينار في 2026، مقارنة بنحو 7.375 مليار دينار في 2025.

ومع أن شهر آذار الماضي، وهو الشهر الأول من عمر الحرب الحالية، لم يشهد توقفاً كاملاً لحركة الملاحة في مضيق هرمز رغم ارتفاع مستوى المخاطر، إلا أن بيانات التجارة الخارجية الكويتية خلال الشهر المذكور، تكشف عن تراجع في قيمة صادرات النفط ومشتقّاته، من نحو 20.8 مليار دينار كويتي في آذار 2025، حيث شكّلت آنذاك ما نسبته 90% من إجمالي الصادرات الشهرية، إلى نحو 18.7 مليار دينار في آذار الماضي، وبنسبة مساهمة قدرها 87.7% من إجمالي صادرات الشهر. كما تُظهر البيانات المتعلّقة بالتجارة الخارجية بحسب الدول، تبايناً ملحوظاً بين آذار 2025 وآذار 2026؛ فمثلاً من بين أهمّ 20 دولة مصدِّرة للسلع إلى الكويت، تراجعت صادرات 15 دولة -هي التي تمرّ التجارة معها عبر مضيق هرمز- تراجعاً، بما فيها الصين، الإمارات، الهند، اليابان، الولايات المتحدة، إيطاليا، فرنسا، وغيرها، في حين سُجّلت زيادة ملحوظة في السلع المصدَّرة من خمس دول، تصدّرتها السعودية المجاورة بنسبة زيادة بنحو 80% مقارنة بآذار من العام الماضي، تلتها سويسرا بنسبة 35%، ومصر بنسبة 5.4%.

خسائر متعدّدة

تتوزّع الخسائر الاقتصادية للكويت على فئتَين: الأولى، تشمل الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية من جرّاء الهجمات الإيرانية، وما تبعها من تعطّل لحركة النقل والطيران، وانخفاض في معدّلات الاستثمار والإنتاج المحلّي والاستهلاك، وغير ذلك. ولا تتوفّر هنا أيّ بيانات أولية يمكن البناء عليها لتقدير قيمة الخسائر المتحقّقة وأثرها على المؤشرات الاقتصادية الكلّية للبلاد، لكن يمكن الإشارة إلى أن عدد المسافرين عبر مطار الكويت الدولي وصل في العام الماضي إلى نحو 15 مليون مسافر، وأن مساهمة قطاع السياحة والسفر تتراوح ما بين 3-4% من إجمالي الناتج المحلّي الإجمالي، ما يعني أن قيمته الاقتصادية تتراوح بين 5 و7 مليارات دولار.
أمّا الفئة الثانية، فهي تتضمّن الخسائر الناجمة عن توقّف حركة الملاحة البحرية في مضيق هرمز، وتأثيراتها على حجم التجارة الخارجية، لا سيما وأن المضيق يُعتبر المنفذ التجاري الاستراتيجي الوحيد للكويت. وبحسب بيانات «صندوق النقد الدولي»، فإن إنتاج البلاد من النفط وصل في العام الماضي إلى نحو 2.5 مليون برميل يومياً، صُدّر منه وسطياً ما مقداره 1.5 مليون برميل يومياً، أي ما قيمته نحو 95 مليون دولار. ووفقاً لتوقّعات «الصندوق»، فإن صادرات هذا العام كانت سترتفع إلى نحو 1.6 مليون برميل يومياً، إلّا أن الحرب نسفت هذه التوقعات، وأجبرت البلاد على خفض صادراتها تدريجياً وصولاً إلى مرحلة باتت فيها الصادرات شبه متوقّفة. وأدّى ذلك إلى خفض الإنتاج النفطي بنسبة وصلت إلى نحو 37%، لا سيما بعد استنفاد كلّ طاقات التخزين المتاحة في البلاد، وإعلان القوة القاهرة في تنفيذ بعض العقود الهامة، فضلاً عن ارتفاع تكاليف استيراد السلع الغذائية، وتراجع النشاط التجاري في الموانئ.

تسبّبت هذه الخسائر مجتمعةً في تناقص حجم إيرادات الخزينة العامة، وبالتالي زيادة عجز الموازنة العامة، وما يعنيه ذلك من تراجع الإنفاق على المشاريع العامة، وتنفيذ ما كان مقرَّراً في موازنة العام الحالي. وهذا ربّما ما دفع الحكومة، بحسب بعض الخبراء، إلى الاستعانة بالاحتياطيات الرسمية المقدَّرة بأكثر من 44 مليار دولار، لا سيما وأن فاتورة أجور موظفي القطاع العام لا تزال مرهقة، كونها تشكّل ما نسبته نحو 31% من الناتج المحلي الإجمالي. ويضاف إلى ما تَقدّم، ارتفاع الكلفة السنوية لدعم قطاع الطاقة، والتي وصلت في مجال الطاقة الكهربائية وحده إلى نحو 5.5% من الناتج المحلي الإجمالي.

تأجيل حزمة الإصلاحات

تتّفق المؤسسات الإقليمية والدولية على أن الكويت هي من أكثر اقتصادات دول الخليج تأثّراً بالحرب بسبب اعتمادها شبه الكامل على مضيق هرمز لتصدير النفط، وأن خسائرها تجاوزت مجرّد تضرّر منشآت الطاقة لتشمل تباطؤ النمو، انخفاض الإيرادات النفطية، ارتفاع كلف التجارة والشحن، وتزايد الضغوط على المالية العامة. وعليه، فإن استمرار الحرب سيؤثّر حكماً على التوجّهات الحكومية الكويتية القائمة على «تنفيذ تحوّل هيكلي وتوسّع في الاستثمارات بغية تحقيق تطلّعات رؤية الكويت 2035 لتنويع الاقتصاد، والسير بحزمة الإصلاحات المقترحة من قِبَل صندوق النقد الدولي، والمتعلّقة بإصلاحات المالية العامة والإصلاحات الهيكلية». ومن بين ما تشمله تلك الإصلاحات: «ضبط أوضاع المالية العامة بوتيرة في حدود 1% تقريباً من إجمالي الناتج المحلي سنوياً على مدار العقد القادم لتحقيق الاستدامة المالية في الأجل الطويل، مواصلة الإصلاحات الهيكلية لتعزيز النمو غير النفطي بحيث تركّز على توحيد سوق العمل وتحسين بيئة الأعمال، التعميق المالي على خلفية قانون التمويل والسيولة الذي تم اعتماده مؤخراً، وتعزيز الإحصاءات الاقتصادية لدعم صنع السياسات على أساس مستنير».