دول » قطر

بعد أزمة غرينلاند.. الغاز القطري في قلب معادلة الاستقرار الأوروبية

في 2026/01/31

كامل جميل - الخليج أونلاين

يعكس حديث مفوض الطاقة في الاتحاد الأوروبي، دان يورغنسن، عن تعزيز واردات الغاز الطبيعي المسال من قطر، تحولاً هادئاً لكنه عميق في التفكير الأوروبي؛ فالقضية لم تعد فقط في الأسعار أو الكميات، بل في الثقة والاستقرار، والقدرة على الفصل بين الطاقة والابتزاز السياسي.

ذلك ما تمخضت عنه تداعيات تلويح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بضم جزيرة غرينلاند، ليتأكد أن معركة الطاقة في أوروبا لم تعد شأناً اقتصادياً صرفاً، بل تحولت إلى اختبار سيادي صريح، تُدار فيه الأنابيب كما تُدار التحالفات، وتُستخدم الإمدادات سلاح ضغط لا يقل فاعلية عن العقوبات أو القواعد العسكرية.

وسط هذا المشهد، عادت قطر لتتقدم بصفتها اسماً مألوفاً في حسابات أمن الطاقة الأوروبي، ليس بكونها بديلاً مؤقتاً، بل ورقة أمان طويلة الأمد، في زمن يشهد تقلص هوامش الاطمئنان، واتساع مخاطر الارتهان لمزاج السياسة.

أوروبا بين غرينلاند والغاز

إعلان يورغنسن، الأربعاء (28 يناير 2025)، أن الاتحاد الأوروبي يدرس توسيع التعاون مع موردين موثوقين، من بينهم قطر، لم يكن معزولاً عن السياق السياسي المتوتر.

الاتحاد الذي بات يعتمد على الولايات المتحدة في أكثر من نصف وارداته من الغاز الطبيعي المسال، وجد نفسه أمام معادلة غير مريحة، حيث إن الابتعاد عن الغاز الروسي قاده إلى اعتماد مكثف على مصدر واحد، في وقت تعود لغة الضغط والتهديد إلى الواجهة.

الاتفاق الأوروبي–الأمريكي الذي أُبرم العام الماضي، والتزم بموجبه الاتحاد بشراء طاقة بقيمة 750 مليار دولار، جاء في لحظة اضطرارية.

لكن تصريحات ترامب بشأن "امتلاك" غرينلاند، والتهديد للدول التي قد تعيق هذا المسار، دفعت بروكسل إلى إعادة تقييم أوسع لعلاقاتها مع واشنطن، ليس فقط في الطاقة، بل في منظومة الأمن ككل.

في هذا السياق، بدا الغاز القطري خياراً عقلانياً لأوروبا الباحثة عن مورد لا يربط الإمدادات بحسابات النفوذ المباشر، ولا يحوّل الطاقة إلى ورقة مساومة سياسية مفتوحة.

قصة جزيرة غرينلاند  

غرينلاند أكبر جزيرة في العالم، بمساحة تقارب نصف مساحة الاتحاد الأوروبي، ويقطنها نحو 60 ألف نسمة فقط.

تتمتع بحكم ذاتي ضمن مملكة الدنمارك، بينما تبقى السياسة الخارجية والدفاع بيد كوبنهاغن.

يغطي الجليد نحو 80% من مساحتها، لكن الاحتباس الحراري يجعل الوصول إليها أسهل تدريجياً.

ذوبان الجليد يفتح طرق شحن جديدة عبر القطب الشمالي، ويزيد أهميتها العسكرية والتجارية.

موقعها الجغرافي جعلها محور تنافس جيوسياسي متصاعد بين القوى الكبرى.

تحتوي غرينلاند على موارد طبيعية استراتيجية؛ أهمها النفط والغاز واليورانيوم والعناصر الأرضية النادرة.

الغاز القطري – لماذا هو مختلف ومرغوب؟

تمتلك قطر ثالث أكبر احتياطي مؤكد للغاز الطبيعي في العالم، وتُعد من كبار منتجيه ومصدريه.

يعتمد إنتاجها على حقل الشمال، أكبر حقل غاز في العالم، ما يمنحها استقراراً طويل الأمد.

تكلفة الإنتاج المنخفضة تجعل الإمدادات القطرية أقل عرضة لتقلبات السوق.

تعتمد الدوحة على عقود طويلة الأجل، ما يوفّر للدول المستوردة وضوحاً واستقراراً في التخطيط.

تمتلك قطر أسطولاً متقدماً من ناقلات الغاز، يقلل مخاطر النقل والاضطرابات اللوجستية.

سجل قطر في الوفاء بالعقود، حتى في الأزمات، عزز صورتها كمورد موثوق وغير مسيّس.

في زمن يشهد تداخل الجغرافيا بالغاز، والسياسة بالأنابيب، تدرك أوروبا أن أمن الطاقة لا يُقاس فقط بحجم الإمدادات، بل بطبيعة الشراكة.

ومع تصاعد لغة الضغط وتسييس الموارد، يعود الغاز القطري ليشغل موقع "الضامن الهادئ" في معادلة شديدة الاضطراب.

ليس لأن قطر تملك الغاز فقط، بل لأنها بنت، على مدى سنوات، سمعة مورد يفصل بين الطاقة والابتزاز، ويقدّم الاستقرار قيمة مضافة لا تقل أهمية عن السعر أو الكمية. وفي لحظة القلق الأوروبي، يبدو هذا الفرق هو ما يصنع الثقة، وما يعيد رسم خريطة الاعتماد.

غاز قطر.. أداة استقرار نظامي

الخبير الاقتصادي د. علي دعدوش، الذي تحدث لـ"الخليج أونلاين"، يقول إن عودة الغاز القطري إلى صدارة حسابات أمن الطاقة الأوروبي في هذا التوقيت لا ترتبط فقط بعامل نقص الإمدادات أو المخاطر الجيوسياسية التقليدية، بل بتحول أعمق في العقل الاستراتيجي الأوروبي من منطق "تنويع الموردين" إلى منطق تنويع أنماط المخاطر نفسها.

ومن جانب آخر، يرى دعدوش أن صانع القرار الأوروبي بات ينظر إلى الغاز القطري بوصفه أداة استقرار نظامي داخل سوق طاقة مضطرب، لا مجرد مصدر توريد.

ويمتلك الغاز القطري ثلاث خصائص لا تجتمع لدى موردين آخرين، وفق دعدوش، تتمثل في:

حيادية سياسية فعّالة، حيث لا تُعد قطر طرفاً مباشراً في الاستقطابات الجيوسياسية الكبرى، ما يقلل مخاطر "تسييس الإمدادات" مقارنة بالغاز الروسي أو حتى بعض الموردين الإقليميين.

مرونة تعاقدية ذكية، إذ تُعد العقود القطرية طويلة الأجل؛ وبالتالي لم تعد تُقرأ أوروبياً بأنها تمثل قيداً، بل أداة تحوط ضد تقلبات السوق الفورية، خاصة بعد أن أثبتت السوق الفورية فشلها في إدارة الصدمات.

توافق انتقالي مع التحول الأخضر، حيث يُنظر إلى الغاز القطري بوصفه "وقود جسر منضبط" قادراً على دعم أمن الطاقة دون تعطيل المسار الأوروبي نحو الحياد الكربوني، بعكس الاستثمارات العميقة في الفحم أو العودة للطاقة النووية ذات الحساسية السياسية.

ووفق ما سبق، يشير الخبير الاقتصادي إلى أن "أوروبا لم تعد تختار الغاز القطري لأنه متاح، بل لأنه الأكثر قابلية للاندماج مع نموذج أوروبي جديد يقوم على إدارة المخاطر، لا فقط إدارة الإمدادات؛ وهذا ما يمنحه أفضلية نوعية تتجاوز السعر والمسافة الجغرافية".