في 2026/02/12
طه العاني - الخليج أونلاين
تواصل الدوحة تعزيز حضورها في معادلة أمن الطاقة الآسيوية عبر خطوات عملية تعكس تحوّل الغاز الطبيعي المسال إلى أداة تأثير جيوسياسي واقتصادي متزايد.
وتأتي التحركات القطرية – اليابانية في توقيت دولي حساس، تتداخل فيه اعتبارات الاستقرار الطاقي مع حسابات النفوذ، وسلاسل الإمداد طويلة الأمد، وقدرة الدول على إدارة الأزمات.
شراكة طويلة
وفي هذا السياق، وقّعت شركة "قطر للطاقة" اتفاقية بيع وشراء مع شركة "جيرا" اليابانية، تمتد لمدة 27 عاماً، لتوريد ما يصل إلى 3 ملايين طن سنوياً من الغاز الطبيعي المسال إلى اليابان، على أن تبدأ الإمدادات اعتباراً من عام 2028.
وتم توقيع الاتفاقية في 3 فبراير 2026، وذلك على هامش المؤتمر الدولي الحادي والعشرين للغاز الطبيعي المسال (LNG 2026) المنعقد في الدوحة.
ووقّع الاتفاقية كلٌّ من وزير الدولة لشؤون الطاقة والرئيس التنفيذي لـ"قطر للطاقة" سعد بن شريدة الكعبي، والرئيس التنفيذي العالمي لشركة "جيرا" يوكيو كاني.
وأكد الكعبي، في تصريحات نشرتها وكالة الأنباء القطرية "قنا"، أن الاتفاقية تعكس عمق العلاقة الاستراتيجية بين الطرفين، مشيراً إلى أنّ "جيرا" هي شريك استراتيجي وإحدى أبرز شركات الغاز الطبيعي المسال في العالم، وأن قطر تجدد التزامها بدعم احتياجات اليابان من الطاقة على المدى الطويل.
وأضاف: "يعود تعاوننا المشترك إلى بداية التسعينيات من القرن الماضي، وهو يعكس الروابط الوثيقة بين شركتينا ورغبتنا المشتركة في توفير إمدادات آمنة وموثوقة من الغاز الطبيعي المسال لدعم النمو الاقتصادي في اليابان".
وتُعد "جيرا" أكبر شركة لتوليد الطاقة في اليابان، وتعمل عبر مختلف مراحل سلسلة القيمة في قطاع الطاقة، من التنقيب والإنتاج إلى شراء الوقود وتوليد الكهرباء وبيعها، كما تمتلك واحدة من أكبر قدرات مناولة الوقود على مستوى العالم، ما يمنح الاتفاقية ثقلاً استراتيجياً يتجاوز بعدها التجاري المباشر.
وعلى صعيد التحركات السابقة، أجرى الوزير الكعبي، في 10 نوفمبر 2025 بالعاصمة طوكيو، سلسلة لقاءات مع كبار مسؤولي شركات الطاقة وتوليد الكهرباء اليابانية، وجرى خلالها بحث آفاق التعاون القائم وفرص توسيع الشراكات المستقبلية في قطاع الطاقة.
الإمدادات الطارئة
وبالتوازي مع الاتفاقية طويلة الأجل، وقّعت "قطر للطاقة" مذكرة تفاهم مع وزارة الاقتصاد والتجارة والصناعة اليابانية وشركة "جيرا"، للتعاون في مجال الإمدادات الطارئة من الغاز الطبيعي المسال، وذلك أيضاً على هامش مؤتمر (LNG 2026) في الدوحة.
وتهدف المذكرة إلى وضع آليات واضحة لاستجابة قطر للطاقة للحالات الطارئة غير المتوقعة التي قد تؤثر على اليابان، مثل الكوارث الطبيعية أو اضطرابات الإمداد، مع اعتماد قنوات تشاور ثنائي لتحديد تدابير الاستجابة المناسبة في كل حالة.
وتسلّط المذكرة الضوء على الدور المحوري لقطر للطاقة في تعزيز أمن الطاقة لعملائها، من خلال القدرة على توفير كميات إضافية من الغاز الطبيعي المسال عند الحاجة، بما يعكس مرونة الإمدادات القطرية واستقرارها.
وتؤكد هذه الخطوة مكانة قطر بصفتها مزوّد طاقة موثوقاً، قادراً على الجمع بين العقود طويلة الأجل وأدوات الاستجابة السريعة، في وقت بات فيه الغاز الطبيعي المسال عنصراً حاسماً في إعادة تشكيل خرائط النفوذ، ليس فقط كسلعة اقتصادية، بل كركيزة للاستقرار الاستراتيجي في آسيا والعالم.
ثقل قطري
ويرى الخبير الاقتصادي جلال بكار أن الاتفاقية الجديدة تدعم استراتيجياً دور قطر الدولي في ملف أمن الطاقة، وتُرسخ مكانتها كقطب رئيسي في إنتاج الغاز عالمياً، مما يمنحها ثقلاً كبيراً على الصعيدين الاقتصادي والسياسي من خلال الشراكات مع الدول الكبرى.
ويوضح بكار لـ"الخليج أونلاين"، أن التعاون مع الشركات اليابانية المتقدمة لا يقتصر على توريد الطاقة فحسب، بل يمتد ليشمل تطوير آليات الإنتاج والاستكشاف، مستفيدين من الخبرة اليابانية في رفع كفاءة الإنتاج وتقليل التكاليف عبر التقنيات الحديثة، إضافة إلى إعادة هيكلة التوزيع.
ويشير إلى أن هذه الشراكات تمنح زخماً كبيراً للسمعة الاقتصادية القطرية، خاصة في ظل سعي العالم إلى إعادة ترتيب أولويات أمن الطاقة والخروج من الأطر التقليدية التي سادت ما بعد الحرب العالمية الثانية.
كما يرى الخبير الاقتصادي أن الاتفاقيات الإقليمية الآسيوية تكتسب أهمية بالغة في مواجهة المخاطر الدولية الراهنة، حيث تُشكل مصادر الطاقة عنصراً حيوياً لدعم الإنتاج النوعي والمصالح الدبلوماسية والعسكرية في المنطقة.
ويعتقد بكار أن المشهد الاقتصادي العالمي يُعاد تشكيله حالياً، مما يفتح الباب أمام استنباط نظريات وفرص جديدة على المستويين الاقتصادي والسياسي.
تحولات السوق
وتعكس بيانات حديثة تحولات لافتة في أنماط تجارة الغاز الطبيعي المسال بين قطر واليابان، في ظل تغيّرات أوسع تشهدها سوق الطاقة العالمية وتفضيلات التعاقد لدى شركات المرافق الآسيوية.
وبحسب بيانات تتبّع الشحنات التي جمعتها وكالة "بلومبيرغ"، في 3 فبراير 2026، بلغت صادرات قطر من الغاز الطبيعي المسال إلى اليابان نحو 3.3 ملايين طن خلال العام الماضي، مقارنةً بحوالي 10 ملايين طن في عام 2017.
ويأتي ذلك في وقت تواصل فيه قطر تنفيذ خطط توسعية كبرى تستهدف رفع طاقتها التصديرية إلى نحو 142 مليون طن سنوياً بحلول عام 2030، مع التركيز على الشراكات طويلة الأجل وضمان استقرار الإمدادات.
كما تعكس طبيعة عقود الغاز الطبيعي المسال القطرية، التي تقوم تقليدياً على الالتزامات طويلة الأجل وضمان استقرار الإمدادات، نهجاً يركّز على أمن الطاقة واستدامة التوريد، وهو ما يختلف عن بعض الصيغ الأكثر مرونة التي اتجهت إليها شركات مرافق في أسواق أخرى خلال فترات سابقة.
ووفق بيانات متخصصة في أسواق الطاقة، لم تشهد العلاقات التعاقدية بين قطر وشركات يابانية اتفاقيات جديدة لشراء الغاز الطبيعي المسال خلال أكثر من 10 سنوات، كما فضّلت شركة "جيرا" عدم تمديد أحد عقودها السابقة عند انتهائه في عام 2021، قبل أن تعود المفاوضات لاحقاً ضمن إطار أوسع يعكس التحولات الجارية في سوق الطاقة العالمية.