في 2026/04/14
يوسف حمود - الخليج أونلاين
تتحرك قطر لإعادة التوازن إلى إنتاجها من الغاز الطبيعي المسال بعد خسائر مباشرة تعرضت لها منشآتها المحلية نتيجة الهجمات الإيرانية التي استهدفت البنية التحتية للطاقة في مارس 2026، ما أدى إلى تراجع القدرة التصديرية بنحو 17%، في واحدة من أكبر الصدمات التي تواجه قطاع الغاز القطري منذ سنوات.
وتشير البيانات إلى أن الخسارة الفعلية في الإنتاج بلغت نحو 12 مليون طن سنوياً من الغاز الطبيعي المسال، نتيجة توقف جزئي في منشآت رئيسية، ما دفع الشركة إلى إعلان حالة القوة القاهرة وتعليق التزاماتها التعاقدية مع عدد من الأسواق الدولية.
وفي هذا السياق، يبرز مشروع "غولدن باس" في الولايات المتحدة باعتباره أحد المسارات البديلة لتعويض هذه الخسائر، حيث أعلنت "قطر للطاقة" بدء الإنتاج الأوليّ من المشروع تمهيداً لدخول مرحلة التصدير خلال الربع الثاني من 2026، ضمن خطة توسع خارجية بدأت قبل سنوات.
تعويض مباشر
قبل الهجمات، كانت قطر تحافظ على مستويات إنتاج مستقرة من الغاز الطبيعي المسال، مع قدرة تصديرية عالية من منشآت رأس لفان، التي تعد من أكبر مراكز إنتاج الغاز المسال في العالم، وتغطي جزءاً مهماً من الطلب العالمي، خصوصاً في آسيا وأوروبا.
بعد الهجمات، انخفضت القدرة التصديرية بنسبة تقارب 17%، ما يعادل نحو 12 مليون طن سنوياً، وفق تقديرات مرتبطة بحجم الأضرار التي طالت مرافق التسييل، وسط توقعات بأن تستغرق عمليات الإصلاح عدة سنوات في بعض الوحدات المتضررة.
في المقابل، تبلغ الطاقة الإنتاجية لمشروع "غولدن باس" نحو 18 مليون طن سنوياً، موزعة على ثلاثة خطوط إنتاج، ما يوفر قدرة كافية لتعويض الجزء الأكبر من الفاقد، مع مرونة في توجيه الشحنات للأسواق المختلفة.
وبحسب هيكل الملكية، تحصل "قطر للطاقة" على نحو 70% من الإنتاج، أي ما يقارب 12.7 مليون طن سنوياً، وهو رقم قريب من حجم الخسارة التي تعرضت لها، ما يعكس تطابقاً رقمياً بين الفاقد والطاقة البديلة المتاحة.
استثمار يتحول لأداة تعويض
تم اتخاذ القرار الاستثماري النهائي لمشروع "غولدن باس" في فبراير 2019، ضمن خطة أعلنتها "قطر للطاقة" لتوسيع استثماراتها الدولية في قطاع الطاقة، باستثمارات تجاوزت 10 مليارات دولار، مع تقديرات حديثة تشير إلى بلوغ التكلفة نحو 11.5 مليار دولار.
ويمثل المشروع أكبر استثمار للشركة القطرية في الولايات المتحدة، وهو مشروع مشترك مع "إكسون موبيل" التي تمتلك 30% من الحصة، مقابل 70% لصالح "قطر للطاقة"، ما يمنحها السيطرة على الجزء الأكبر من الإنتاج والتسويق.
وخلال مرحلة التنفيذ، واجه المشروع تحديات تشغيلية، أبرزها تعثر المقاول الرئيسي، ما أدى إلى تأخير الجدول الزمني، قبل التوصل إلى تسوية في 2024 سمحت باستكمال الأعمال وإعادة ضبط مسار المشروع.
ومع بدء الإنتاج الأول من الخط الأول، بات المشروع في مرحلة التشغيل التدريجي، تمهيداً للوصول إلى الطاقة الكاملة، وهو ما يوفر تدفقات إضافية من الغاز المسال في توقيت يشهد فيه السوق العالمي نقصاً في الإمدادات.
توزيع الإنتاج
يتيح هيكل المشروع لكل من "قطر للطاقة" و"إكسون موبيل" حرية التصرف في حصصهما من الإنتاج، ما يسمح بتوجيه الشحنات نحو الأسواق الأكثر طلباً، خصوصاً في آسيا التي تستحوذ على الحصة الأكبر من واردات الغاز الطبيعي المسال عالمياً.
وتحصل "قطر للطاقة" على نحو 12.7 مليون طن سنوياً، بينما تحصل "إكسون موبيل" على نحو 5.4 ملايين طن، ما يوفر توازناً في توزيع الإنتاج بين الشريكين، مع قدرة على تسويق الكميات وفق عقود طويلة الأجل أو عبر الأسواق الفورية.
كما يعتمد المشروع على موقعه في سابين باس بولاية تكساس، ما يمنحه ميزة الوصول إلى الأسواق الأوروبية والأمريكية، إلى جانب إمكانية إعادة توجيه الشحنات إلى آسيا عبر قنوات الشحن العالمية.
وتشير البيانات إلى أن الطاقة الإنتاجية للمشروع تعادل نحو 2.6 مليار قدم مكعبة يومياً من الغاز، ما يجعله أحد المشاريع الكبرى في قطاع الغاز المسال على مستوى الولايات المتحدة.
نموذج لاستراتيجية التحوط
يقول المحلل الاقتصادي أحمد عايد، إن تحركات قطر في قطاع الطاقة "تمثل نموذجاً واضحاً لاستراتيجية التحوط، حيث لا تكتفي بالإنتاج المحلي، بل توسع حضورها عالمياً لتأمين استقرار الإمدادات والعوائد".
وأوضح عايد في حديثه لـ"الخليج أونلاين"، أن هذا المشروع، المتوقع أن يضيف طاقة تصديرية كبيرة من الغاز الطبيعي المسال، "يمكن أن يعوض جزءاً مهماً من أي تراجع محتمل في الإنتاج المحلي، سواء لأسباب فنية أو جيوسياسية"، مشيراً إلى أن الغاز المسال الأمريكي يتمتع بمرونة عالية في التصدير والوصول إلى الأسواق العالمية.
وأضاف أن قطر عملت مبكراً على توزيع استثماراتها جغرافياً، ما يمنحها قدرة على المناورة في حال تعطل الإنتاج داخل حدودها، لافتاً إلى أن وجودها في الولايات المتحدة، أحد أكبر منتجي الغاز، يتيح لها الاستفادة من بنية تحتية متقدمة وسوق طاقة مرن، ويقلل من مخاطر الاعتماد على موقع واحد.
وأكد أن قطر "لا تسعى فقط لتعويض الخسائر، بل تبني شبكة إنتاج عالمية تعزز قدرتها على مواجهة الصدمات، وتحافظ على موقعها كمورد رئيسي للغاز على مستوى العالم".
ذروة اضطراب السوق
يتزامن بدء تشغيل مشروع "غولدن باس" مع مرحلة اضطراب حاد في أسواق الطاقة العالمية، نتيجة التوترات الجيوسياسية التي أثرت على الإمدادات في منطقة الخليج، ما رفع الطلب على مصادر بديلة للغاز الطبيعي المسال.
وتُظهر البيانات أن السوق يشهد نمواً مستمراً في الطلب على الغاز، مدفوعاً بالتحول نحو مصادر طاقة أقل انبعاثاً، إضافة إلى رغبة الدول في تنويع مصادر الإمداد وتقليل الاعتماد على مورد واحد.
كما أن دخول كميات جديدة إلى السوق في هذا التوقيت يوفر مرونة إضافية في تلبية الطلب، خصوصاً مع تراجع بعض الإمدادات من منشآت قائمة، ما يعزز من أهمية المشاريع الجديدة في استقرار الأسواق.
ويشير تشغيل المشروع إلى انتقال جزء من القدرة التصديرية إلى خارج منطقة الخليج، عبر استثمارات مباشرة في الولايات المتحدة، ما يوفر مساراً بديلاً للإمدادات في حال استمرار التوترات في الممرات البحرية التقليدية.