من هنا وهناك » من هنا وهناك

بالمقارنة أمنياً مع قطر.. هل أخفقت أمريكا مبكراً في اختبار المونديال؟

في 2026/06/12

محمد أبو رزق - الخليج أونلاين

مع انطلاق كأس العالم 2026 في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، تبرز الملفات الأمنية كواحدة من أكثر القضايا إثارةً للجدل حول البطولة.

ورغم أن السلطات الأمريكية تؤكد أن الإجراءات المتخذة ضرورية لحماية أكبر حدث رياضي عالمي، تتزايد الانتقادات من منتخبات وجماهير ومنظمات حقوقية ترى أن بعض التدابير تجاوزت حدود الأمن المشروع لتصل إلى ممارسات وصفت بالتمييزية أو المفرطة، ما أعاد إلى الواجهة المقارنات مع تجربة كأس العالم قطر 2022 التي أشادت بها العديد من الوفود والجماهير من حيث سهولة الدخول والتنقل والأمن.

وتصف السلطات الأمريكية خطة تأمين البطولة بأنها من بين الأكبر والأكثر تعقيداً في تاريخ كأس العالم، بمشاركة مئات الجهات الفيدرالية والمحلية والأمنية، في ظل توقع استقبال ملايين المشجعين عبر عشرات المدن والملاعب.

وشكلت زيادة الإجراءات الأمنية التي تقوم بها السلطات الأمريكية محطة انتباه وانتقاد واسعة في العالم، خصوصاً بعد سلسلة من الحوادث التي طالت لاعبين ومسؤولين وحكاماً ومشجعين قبل انطلاق البطولة.

تفتيشات مهينة

قبل بدء البطولة، تداولت وسائل إعلام وتقارير رياضية معلومات حول خضوع بعض الوفود الرياضية لإجراءات تفتيش مشددة فور وصولها إلى الولايات المتحدة.

من هذه الوفود التي تعرضت للتفتيش المهين بعثة السنغال، حيث أظهرت مقاطع مصورة قيام رجال الأمن الأمريكيين بتفتيشهم بشكل ذاتي وانتظارهم ساعات طويلة.

كذلك، خضع وفد أوزبكستان لتفتيش أمني باستخدام كلاب بوليسية وفحص شامل للحقائب والأمتعة.

وأثارت هذه المشاهد تساؤلات حول أسباب تطبيق هذه الإجراءات على بعض الوفود دون غيرها، الأمر الذي دفع منتقدين إلى الحديث عن وجود معايير غير متساوية في التعامل مع المنتخبات المشاركة.

ويرى منتقدو هذه الممارسات أن المنتخبات المشاركة في حدث عالمي يفترض أن تحظى بمعاملة خاصة تضمن احترام مكانتها الرياضية، بينما تؤكد الجهات الأمنية الأمريكية أن جميع الإجراءات تأتي ضمن بروتوكولات الفحص الاعتيادية المرتبطة بالأمن القومي ولا تستهدف أي دولة بعينها.

ومع ذلك، فإن انتشار صور التفتيش المكثف ساهم في تكوين انطباع سلبي لدى بعض الجماهير والوفود القادمة من الخارج.

أزمة التأشيرات

الانتقادات لم تقتصر على إجراءات التفتيش، بل امتدت إلى ملف التأشيرات والدخول الذي تحول إلى أحد أكثر القضايا حساسية قبل انطلاق البطولة.

وكانت أبرز الحالات تتعلق بالحكم الصومالي عمر عبد القادر أرتان، الذي اختارته الفيفا ضمن قائمة حكام كأس العالم، ليصبح أول حكم صومالي يشارك في إدارة مباريات المونديال. ورغم امتلاكه تأشيرة سارية ووثائق رسمية، رفضت السلطات الأمريكية دخوله البلاد بدعوى وجود "مخاوف تتعلق بعمليات التدقيق الأمني"، ما أدى إلى استبعاده من المشاركة في البطولة.

وأثار القرار ردود فعل واسعة في الأوساط الرياضية والإعلامية، خصوصاً أن الاتحاد الدولي لكرة القدم أكد أنه لا يملك سلطة التدخل في قرارات الهجرة الخاصة بالدولة المضيفة.

كما واجه المنتخب الإيراني تحديات إضافية بعدما منع عدد من المسؤولين والإداريين المرافقين للمنتخب من الحصول على تأشيرات دخول، ما دفع الفريق إلى اعتماد ترتيبات لوجستية معقدة بالاستقرار في المكسيك والتنقل إلى الولايات المتحدة لخوض المباريات.

وأشارت تقارير أخرى إلى تعرض لاعبين ومسؤولين من العراق ودول أخرى لاستجوابات مطولة أو تأخيرات عند نقاط الدخول الحدودية.

هذه الحوادث أثارت مخاوف لدى جماهير عدة دول، خصوصاً مع ورود تقارير عن تأخير أو إلغاء بعض طلبات الدخول رغم استكمال أصحابها الإجراءات المطلوبة مسبقاً، وهو ما دفع مراقبين إلى التساؤل حول مدى قدرة البطولة على توفير تجربة سلسة وعادلة لجميع المشاركين والزوار.

مقارنة مع تجربة قطر

تعيد هذه الانتقادات إلى الأذهان المقارنات مع بطولة كأس العالم قطر 2022، التي اعتمدت نظام "هيا" لتسهيل دخول الجماهير وربط التأشيرات بتذاكر المباريات والإقامة.

وأشاد العديد من الوفود والمشجعين آنذاك بسهولة الإجراءات وسرعة التنقل بين الملاعب والمناطق المختلفة، فضلاً عن محدودية الحوادث الأمنية الكبيرة طوال فترة البطولة.

ويرى مراقبون أن الفارق الجوهري بين التجربتين يتمثل في طبيعة الدول المستضيفة؛ فبينما أقيمت بطولة قطر في مساحة جغرافية صغيرة سمحت بإدارة مركزية موحدة للملف الأمني واللوجستي، تستضيف الولايات المتحدة نسخة موزعة على مدن شاسعة وحدود دولية متعددة، ما يجعل تحديات الأمن والهجرة أكثر تعقيداً.

ومع ذلك، يعتقد منتقدون أن بعض الأزمات الحالية كان يمكن تجنبها عبر ترتيبات استثنائية أكثر مرونة للمشاركين المعتمدين من قبل الفيفا.

منع للصحفيين 

كما طالت الإجراءات الصحفيين، حيث منعت السلطات الأمريكية مئات الصحفيين من دخول الأراضي الأمريكية.

وعبر جياني ميرلو، رئيس الرابطة الدولية للصحافة الرياضية (AIPS)، عن انزعاجه الشديد من الإجراءات المعقدة التي قد تتسبب بمنع صحفيين حصلوا على اعتماد رسمي من الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) لتغطية نهائيات كأس العالم، من الدخول إلى الولايات المتحدة.

وأكد ميرلو، في تصريح له، أن الحظر لا يزال قائماً رغم الرسالة، وقال: "في الوقت الحالي الجميع منشغل بمحاولة ترتيب رحلاتهم. قد يتمكن بعضهم من إيجاد حل والآخر لا، تحدثنا مع صحفيين إيرانيين وهم أنفسهم لا يعرفون ما الذي سيحدث لهم".

ووثقت الرابطة المئات من الحالات أغلبها في الدول الأفريقية من مصر، والمغرب، والجزائر، والسنغال، وكوت ديفوار، وغانا، وغينيا بيساو، ونيجيريا، وجمهورية الكونغو الديمقراطية.

تجاوز للحدود

الإعلامي الرياضي أحمد أبو شقير، أكد الانتقادات المتزايدة الموجهة للإجراءات الأمنية الأمريكية في كأس العالم 2026 تعكس حالة من القلق لدى المنتخبات والجماهير بشأن تجربة الدخول إلى الدولة المضيفة، مشيراً إلى أن الجدل لم يعد مرتبطاً بالأمن داخل الملاعب فقط، بل امتد إلى إجراءات السفر والتأشيرات والاستقبال في المطارات.

وأوضح أبو شقير لـ"الخليج أونلاين" أنه من حق أي دولة مضيفة اتخاذ ما تراه مناسباً من تدابير لحماية أمنها وضمان سلامة الحدث الرياضي الأكبر عالمياً، إلا أن بعض الإجراءات التي طالت لاعبين وحكاماً ومشجعين أثارت تساؤلات واسعة حول مدى تأثيرها على صورة البطولة وتجربة المشاركين فيها.

ويضيف أن خضوع بعض اللاعبين لتفتيشات مطولة، وورود تقارير عن صعوبات واجهت حكاماً ومشجعين في إجراءات الدخول، دفع كثيرين إلى اعتبار أن الإجراءات تجاوزت حدود الاحتراز الأمني المعتاد، لتصبح أحد أبرز الملفات المثيرة للجدل قبل انطلاق البطولة.

وأشار أبو شقير إلى أن هذه التطورات أعادت المقارنة مجدداً مع تجربة كأس العالم قطر 2022، التي نجحت بحسب كثير من الوفود والجماهير في تقديم نموذج قائم على سهولة الدخول والانسيابية في الإجراءات والتنقل بين مواقع البطولة.

كما أضاف أن قطر، رغم ما واجهته من حملات وانتقادات قبل انطلاق المونديال، "تمكنت من جعل كرة القدم والفعاليات الجماهيرية العنوان الأبرز للحدث، في حين تتصدر قضايا التأشيرات والتفتيشات والإجراءات الأمنية جانباً مهماً من النقاشات المرتبطة بمونديال 2026".

وتحدث أبو شقير عن أن الجماهير العالمية لا تقيم نجاح البطولات من خلال الجوانب التنظيمية والأمنية فقط، بل من خلال شعورها بالترحيب والاحترام منذ لحظة الوصول إلى البلد المضيف، معتبراً أن حسن الاستقبال وسهولة الإجراءات أصبحا جزءاً أساسياً من معايير نجاح الأحداث الرياضية الكبرى.

واعتبر أن التحدي الحقيقي أمام الولايات المتحدة لا يتمثل في تأمين البطولة فحسب، وإنما في تحقيق التوازن بين متطلبات الأمن والانفتاح على الجماهير والوفود الرياضية، مشدداً على أن نجاح أي كأس عالم يرتبط بقدرة الدولة المضيفة على توفير بيئة آمنة ومرحبة في الوقت ذاته، وهي المعادلة التي يرى كثيرون أن قطر نجحت في تحقيقها خلال نسخة 2022.