علاقات » امم متحدة

السعودية واليونسكو… شراكة لإنقاذ التراث اليمني من الاندثار

في 2026/02/02

كامل جميل - الخليج أونلاين

لم يكن توقيع مذكرة التفاهم بين البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) في الرياض، حدثاً إجرائياً عابراً، بل خطوة ضمن مسار أوسع يستهدف وقف النزيف الثقافي الذي يتعرض له اليمن منذ أكثر من عقد.

هذه الشراكة، التي جرى توقيعها السبت (31 ديسمبر 2025)، تجمع بين الدعم السعودي والخبرة الدولية لليونسكو، تفتح نافذة أمل لإنقاذ ما تبقى من الإرث التاريخي اليمني، عبر الترميم، والتأهيل، وبناء القدرات المحلية، في محاولة جادة لإعادة الاعتبار لذاكرة كادت الحرب تطمس ملامحها.

يتضح من خلال الاتفاقية أن السعودية تتعامل مع التراث بوصفه ركناً من أركان إعادة بناء الإنسان قبل الحجر. وفي هذا السياق، ترى المملكة في حماية المواقع التاريخية اليمنية حفاظاً على ذاكرة شعب، لا مجرد صيانة آثار صامتة.

شراكة لحماية الموروث الثقافي

تهدف مذكرة التفاهم إلى توسيع أطر التعاون في مجال صون التراث الثقافي اليمني، ودعم جهود الحكومة اليمنية في حماية ممتلكاتها التاريخية، إلى جانب العمل على حصر وتحديد المواقع المؤهلة للإدراج ضمن قائمة التراث العالمي.  

ويشمل تعزيز القدرات المؤسسية اليمنية من خلال الدعم الفني، وتنفيذ أنشطة متخصصة في مجالات التراث، والتعليم، والثقافة، والعلوم، بما يمكّن اليمن من بناء كوادر وطنية قادرة على إدارة هذا القطاع الحيوي وحمايته مستقبلاً.

ومن أبرز المشاريع التي سيركز عليها المشروع:

ترميم قصر سيئون التاريخي في حضرموت، أحد أبرز معالم العمارة الطينية في الجزيرة العربية.

إنشاء مشروع "معمل حرفة" في أرخبيل سقطرى، لدعم الصناعات التقليدية المحلية.

الاحتفاء بيوم اللغة المهرية بالشراكة مع اليونسكو، في خطوة لحماية اللغات اليمنية المهددة بالاندثار.

المشاركة في معرض "بين ثقافتين" للتعريف بالثقافتين السعودية واليمنية.

دعم الاحتفاء بالأوركسترا اليمنية بالتعاون مع وزارة الإعلام والثقافة والسياحة اليمنية.

مواقع تاريخية على حافة الاندثار

تعرضت مواقع تاريخية يمنية بارزة لأضرار جسيمة خلال سنوات الحرب، ما جعل إنقاذها أولوية ثقافية وإنسانية، ومن أبرز هذه المواقع:

مدينة صنعاء القديمة: مدرجة على قائمة التراث العالمي، حيث لحقت أضرار كبيرة بنسيجها العمراني الفريد.

مدينة زبيد التاريخية (الحديدة): وتمثل قيمة علمية ومعمارية استثنائية، كانت عاصمة لليمن بين القرنين الـ13 - الـ15 للميلاد.

مدينة شِبام (حضرموت): وهي مدينة مسوّرة ذات أبراج طينية عمودية، وإحدى أقدم نماذج التخطيط العمراني الرأسي في العالم.

مدينة بَراقِش (الجوف): وهي مدينة أثرية تعود إلى مطلع الألف الأول قبل الميلاد، وكانت العاصمة الدينية لمملكة معين.

قلعة القاهرة (تعز): معلم تاريخي بارز شُيّد في القرن السادس الهجري على سفح جبل صبر.

سد مأرب: أيقونة حضارية لعبت دوراً محورياً في تاريخ جنوب الجزيرة العربية قبل الإسلام.

تريم (حضرموت): مدينة عريقة يعود تاريخها إلى القرن الرابع قبل الميلاد، وكانت عاصمة حضرموت القديمة.

تهريب الآثار.. نزيف ذاكرة اليمن 

في بلد أنهكته الحرب، تبدو حماية التراث فعلاً مقاوماً للنسيان، ومحاولة لإبقاء جذوة الهوية مشتعلة وسط الركام.

ومن خلال شراكتها مع اليونسكو، تسعى السعودية إلى ترسيخ دور ثقافي يتجاوز حدود الدعم التقليدي، ليصل إلى إنقاذ الذاكرة اليمنية باعتبارها جزءاً من الذاكرة الإنسانية المشتركة.

وبالتوازي مع الدمار الذي لحق بالمواقع التاريخية، شهد اليمن تصاعداً مقلقاً في عمليات تهريب الآثار.

وتشير تقديرات صادرة عن مراكز بحثية دولية إلى خروج آلاف القطع الأثرية من البلاد خلال سنوات النزاع، حيث استقر جزء كبير منها في أسواق ومجموعات خاصة خارج اليمن.

وباتت المقتنيات اليمنية تُعرض في كتالوجات المزادات العالمية وعلى منصات البيع الإلكترونية، في مشهد يوثّق تحوّل الحرب إلى فرصة ذهبية لشبكات الاتجار غير المشروع بالآثار، وفق توصيف خبراء في هذا المجال. ومن أبرز ما كُشف عنه في هذا الصدد:

طرحت دار "سوثبيز" في نيويورك، خلال ديسمبر 2025، إحدى أندر لفائف التوراة اليمنية في مزاد عالمي.

في 26 يونيو 2025، كُشف عن عرض قطعة أثرية يمنية نادرة، يعود تاريخها إلى القرن الأول قبل الميلاد، للبيع في مزاد أقيم بمدينة برشلونة الإسبانية.

بتاريخ 13 يوليو 2025، أعلنت دار "أرتيمس" الأمريكية عن إدراج تمثال فريد لثور من آثار اليمن القديم ضمن مزاد دولي.

في 13 يناير 2025، عرض تمثال أثري يمني في تل أبيب، ضمن مجموعة خاصة تضم عدداً من القطع المنسوبة إلى حضارات اليمن القديمة.

وعي سعودي بأهمية تراث اليمن

يصف سفير اليمن لدى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، د. محمد جميح، توقيع مذكرة التفاهم بين البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن واليونسكو في الرياض، بأنه خطوة ضرورية للحفاظ على التراث اليمني.

ويؤكد جميح، في حديث لـ"الخليج أونلاين"، أن المذكرة تمثل امتداداً عملياً لتعاون قائم، وليست بداية جديدة، إذ سبق للبرنامج السعودي أن انخرط في مشاريع ترميم نوعية بالتنسيق مع اليونسكو، ما جعل الاتفاق تتويجاً لجهود تراكمية مدروسة.

ويستشهد في هذا الإطار بمشروع ترميم قصر السلطان الكثيري في سيئون، المعروف اليوم بمتحف سيئون، موضحاً أن المبنى أحد أبرز نماذج العمارة الطينية في اليمن.

ولفت إلى أن القصر كان يعاني تشققات خطيرة وتأثيرات مناخية وإهمالاً طويلاً، قبل أن يُعاد ترميمه ليعود رمزاً معمارياً وثقافياً لحضرموت.

ويرى جميح أن توقيع الاتفاقية مع اليونسكو، ممثلة بمكتبها الإقليمي في الدوحة، يعكس وعياً سعودياً بأهمية التراث اليمني وحجم الضرر الذي لحق به نتيجة الحرب والظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد.

ويتوقع أن ينعكس الاتفاق بشكل مباشر على حماية المواقع الأثرية والتراثية، إلى جانب دعم برامج التأهيل وبناء القدرات، لا سيما داخل وزارة الثقافة اليمنية.

من جانب آخر، ستشمل الاتفاقية، بحسب جميح، تدريب خبراء يمنيين على إعداد ملفات التراث العالمي وفق معايير اليونسكو، بما يعزز فرص تسجيل مواقع يمنية جديدة، ويحفظ الذاكرة الثقافية للبلاد من التآكل والنسيان.