في 2026/06/01
عبد الله جابر - الخليج أونلاين
رغم العاصفة الجيوسياسية التي ضربت منطقة الخليج خلال الأشهر الماضية، بدءاً من الحرب "الإسرائيلية ـ الأمريكية" مع إيران، مروراً باضطرابات الملاحة في مضيق هرمز، ووصولاً إلى استهداف منشآت الطاقة والموانئ، فإن اقتصادات دول الخليج نجحت في الحفاظ على قدر كبير من التماسك والاستقرار المالي.
وكالات التصنيف الائتماني، وفي مقدمتها "موديز" و"فيتش" و"ستاندرد آند بورز"، رأت في تقارير حديثة أن دول الخليج لا تزال تمتلك هوامش أمان مالية قوية، رغم الخسائر التي لحقت ببعض المنشآت النفطية، واضطراب حركة التجارة والطيران، وارتفاع كلفة التأمين والشحن البحري.
كما اعتبرت أن قوة الأصول السيادية الخليجية، التي تتجاوز قيمتها الإجمالية خمسة تريليونات دولار، وفق تقديرات مؤسسات مالية، تمثل مظلة حماية استراتيجية أمام أي صدمات ممتدة.
هذا التقييم يتزامن مع تحولات اقتصادية مهمة، حيث اتجهت دول الخليج إلى تعزيز القطاعات غير النفطية، والاستثمار في البنية اللوجستية والطاقة البديلة والتكنولوجيا والسياحة والخدمات المالية، بالتزامن مع بناء مسارات بديلة لتصدير النفط والغاز بعيداً عن مضيق هرمز، وهو ما منح اقتصاداتها قدرة أكبر على امتصاص الصدمات مقارنة بأزمات سابقة.
تصنيف مستقر
أبقت وكالة "موديز" التصنيف الائتماني السيادي للسعودية عند مستوى "AA3" مع نظرة مستقبلية مستقرة، مؤكدةً أن الاقتصاد السعودي يستند إلى احتياطيات هيدروكربونية ضخمة، وانخفاض تكاليف الإنتاج، والتقدم المستمر في تنفيذ "رؤية 2030".
وأشارت الوكالة إلى أن خط الأنابيب "شرق - غرب" لعب دوراً محورياً في استمرار صادرات النفط السعودية عبر البحر الأحمر، بقدرة نقل تصل إلى نحو 7 ملايين برميل يومياً.
كما ثبتت "موديز" تصنيف قطر عند "Aa2" مع نظرة مستقرة، رغم الأضرار التي لحقت بمنشآت الغاز في رأس لفان خلال مارس الماضي، وأشارت إلى أن الأصول القطرية التي تتجاوز 200% من الناتج المحلي الإجمالي تشكل حاجزاً مالياً ضخماً يحمي الاقتصاد القطري من التقلبات المرتبطة بالطاقة.
بدورها، ثبتت وكالة "فيتش" تصنيفها للإمارات عند "AA-" مع نظرة مستقرة، مشيرةً إلى أن قدرة أبوظبي على تصدير النفط عبر خط الفجيرة خففت من آثار اضطرابات هرمز، وتوقعت الوكالة "بقاء فائض الموازنة الإماراتية عند 4.5% من الناتج المحلي رغم ارتفاع الإنفاق الحكومي المرتبط بالحرب".
وفي الكويت، أبقت "ستاندرد آند بورز" التصنيف عند "AA-/A-1+"، مؤكدةً أن الأصول السائلة للدولة، التي تعادل أكثر من 550% من الناتج المحلي، تمثل واحدة من أقوى شبكات الحماية المالية عالمياً.
وفي الوقت نفسه، حافظت البحرين على تصنيف مستقر مدعوماً باستمرار الدعم الخليجي، خصوصاً بعد اتفاق مبادلة العملات مع الإمارات بقيمة 5.3 مليارات دولار في أبريل الماضي، وفق ما ذكرته وكالة "ستاندرد آند بورز".
وفي تقرير نشرته "فيتش" نهاية مايو 2026، أكدت الوكالة أن معظم الاقتصادات الخليجية أظهرت مرونة واضحة منذ اندلاع الحرب، رغم استمرار المخاطر المرتبطة بإغلاق هرمز أو استهداف البنية التحتية للطاقة.
عوامل القوة
تعكس هذه التصنيفات، وفق ما أوردته وكالات التصنيف وتقارير المؤسسات المالية الدولية، إدراكاً لحجم التحولات التي شهدتها اقتصادات الخليج خلال العقد الأخير، خصوصاً في ملف التنويع الاقتصادي وتعزيز الاحتياطيات السيادية.
فالسعودية، على سبيل المثال، نجحت في رفع مساهمة الاقتصاد غير النفطي بشكل ملحوظ عبر قطاعات السياحة والخدمات والصناعة والتكنولوجيا، فيما أشارت "موديز" إلى أن القطاع الخاص غير النفطي السعودي مرشح لتحقيق نمو يتراوح بين 4% و5% بمجرد تراجع التوترات الإقليمية.
والإمارات بدورها عززت مكانتها باعتبارها مركزاً عالمياً للخدمات اللوجستية والمالية، مستفيدة من استثمارات ضخمة في الموانئ والطيران والتكنولوجيا، بينما واصلت قطر توسيع مشاريع الغاز الطبيعي المسال، وضمن ذلك خطط رفع الطاقة الإنتاجية خلال السنوات المقبلة.
كما لعبت الصناديق السيادية الخليجية دوراً محورياً في تعزيز الثقة الدولية، إذ تدير صناديق مثل "جهاز قطر للاستثمار"، وصندوق الاستثمارات العامة السعودي، وجهاز أبوظبي للاستثمار، أصولاً هائلة موزعة حول العالم، وهو ما وفر سيولة مالية وقدرة على التدخل السريع في مواجهة الأزمات.
وفي هذا السياق، قال المتحدث باسم الخارجية القطرية ماجد الأنصاري، خلال ندوة نظمها "مجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية" في مارس 2026، إن الخليج "لم يعد مجرد منطقة نفط، بل أصبح مركزاً للاقتصاد الدولي"، محذراً من أن أي اضطراب طويل الأمد سيؤثر على الاقتصاد العالمي بأسره.
وفي وقت كانت فيه الأسواق العالمية تترقب تداعيات إغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو ثلث تجارة النفط البحرية في العالم، حافظت دول الخليج على قدرتها على إدارة الأزمة عبر مزيج من الاحتياطيات المالية الضخمة، والصناديق السيادية العملاقة، وخطوط التصدير البديلة، والسياسات الاقتصادية التي تم تطويرها خلال السنوات الماضية ضمن برامج التنويع الاقتصادي والتحول بعيداً عن الاعتماد الكامل على النفط.
مخاطر الحرب
ورغم هذه المتانة، واجهت اقتصادات الخليج خلال الأشهر الماضية واحدة من أصعب الأزمات منذ عقود، بعدما أدى إغلاق مضيق هرمز جزئياً، واستهداف منشآت الطاقة والموانئ، إلى اضطرابات واسعة في التجارة والطاقة والتأمين والشحن.
وتشير تقديرات "فيتش" إلى أن نحو 87% من صادرات قطر الهيدروكربونية تمر عبر مضيق هرمز، مقابل 95% للبحرين، ونحو 100% للكويت، بينما تعتمد السعودية بنسبة أقل تبلغ 32% بفضل خطوط الأنابيب البديلة.
كما حذرت تقارير اقتصادية من أن استمرار إغلاق المضيق فترة طويلة قد يؤدي إلى خسائر تصديرية ضخمة للسعودية والإمارات تتجاوز 50 مليار دولار شهرياً، فضلاً عن ارتفاع أسعار النفط إلى أكثر من 120 دولاراً للبرميل.
وقد خفض البنك الدولي وصندوق النقد الدولي بالفعل توقعات النمو في المنطقة. ووفق تقرير نُشر في أبريل 2026، تراجع النمو المتوقع لدول الخليج إلى نحو 2% فقط خلال العام الجاري، مقارنة بتوقعات سابقة بلغت 4.3%.
كما تأثرت قطاعات السياحة والطيران والعقارات، مع ارتفاع تكاليف التأمين والشحن، وتراجع ثقة المستثمرين بسبب المخاطر الأمنية، بينما حذرت تقارير اقتصادية من أن الهجمات السيبرانية واستهداف البنية التحتية للطاقة يمثلان تهديداً إضافياً للاستقرار الاقتصادي في المنطقة.
تنويع مستمر
لكن الأزمة الأخيرة دفعت دول الخليج إلى تسريع خطوات التنويع الاقتصادي وتعزيز البدائل اللوجستية والاستراتيجية؛ في محاولة لتحويل التحديات إلى فرص طويلة الأمد.
وعززت السعودية والإمارات الاعتماد على خطوط الأنابيب البديلة، خصوصاً خط شرق ـ غرب السعودي وخط الفجيرة الإماراتي، فيما واصلت عُمان الاستفادة من موقعها الجغرافي خارج مضيق هرمز، وهو ما جعلها، بحسب "فيتش"، الأقل تأثراً بالأزمة.
كما تسارعت الاستثمارات الخليجية في قطاعات التكنولوجيا والطاقة المتجددة والذكاء الاصطناعي والخدمات اللوجستية، بالتوازي مع تطوير الموانئ والمناطق الاقتصادية الحرة ومشاريع الربط التجاري مع آسيا وأوروبا.
وفي الوقت ذاته، عززت دول الخليج استثماراتها الدفاعية والأمنية والسيبرانية لحماية البنية التحتية للطاقة والتجارة، في ظل إدراك متزايد بأن الاستقرار الاقتصادي بات مرتبطاً، بشكل مباشر بالأمن الإقليمي.
وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن دول الخليج تمتلك اليوم قدرة أكبر على التكيف مع الصدمات مقارنة بأي وقت مضى، ليس فقط بسبب أسعار النفط أو الاحتياطيات المالية، بل نتيجة التحولات الهيكلية التي شهدتها اقتصاداتها خلال السنوات الأخيرة، وهو ما يفسر استمرار الثقة الدولية باقتصادات المنطقة رغم واحدة من أعقد الأزمات الجيوسياسية التي عرفها الخليج في تاريخه الحديث.
اختبار حقيقي
يرى الخبير الاقتصادي والباحث في شؤون النفط والطاقة عامر الشوبكي، أن دول الخليج نجحت؛ لأنها لم تدخل هذه الأزمة بظهر مكشوف، لافتاً إلى أن لديها كثيراً من المقومات التي تجعلها أهلاً للثقة عالمياً.
وأضاف الشوبكي، في تصريح لـ"الخليج أونلاين"، أن دول الخليج "لديها فوائض مالية، واحتياطيات كبيرة، وصناديق سيادية ضخمة، وقطاع مصرفي قوي، إضافة إلى تنويع تدريجي في السياحة والصناعة والخدمات واللوجستيات، إلى جانب الطاقة المتجددة".
واستطرد الشوبكي قائلاً:
أزمة هرمز كانت اختبار ضغط حقيقياً، وأزمة حقيقية واختباراً لدول الخليج، لكن الأسواق رأت أن دول الخليج تملك أدوات امتصاص الصدمة: إنفاقاً حكومياً منضبطاً، ومديونية أقل من كثير من الاقتصادات الكبرى، ومرونة في سلاسل التصدير والطاقة؛ لذلك لم تُقرأ هذه الأزمة كتهديد وجودي لاقتصادات الخليج، وإنما كخطر جيوسياسي قابل للمعالجة والإدارة.
النظرة المستقبلية المستقرة تعني أن وكالات التصنيف لا ترى أن التوتر الحالي كافٍ لتغيير الجدارة الائتمانية لهذه الدول، بمعنى أن المستثمر العالمي يقول إن المخاطر موجودة، لكن القدرة على السداد والاحتواء ما زالت قوية لدى دول الخليج.
هذه رسالة ثقة للأسواق تخفف كلف الاقتراض، وتحافظ على تدفق الاستثمارات، وتؤكد أن الخليج لم يعد مجرد اقتصاد نفطي هش أمام كل أزمة، بل أصبح كتلة مالية واقتصادية أكثر نضجاً.
مستقبل اقتصادات الخليج بعد أزمة هرمز وحرب إيران سيكون أقوى بحسب قدرة كل دولة على تسريع التنويع، وأصعب لمن يبقى أسيراً للنفط أو للممرات الاقتصادية.
الأزمة كشفت أن الأمن الاقتصادي ليس فقط في حجم الإنتاج، وإنما في الموانئ البديلة، والمخزون، والصناعات، وكذا وجود مخزون من الصناعات المحلية والتكنولوجيا والغذاء والطاقة المتجددة، فضلاً عن القدرة على حماية سلاسل الإمداد.
أعتقد أن الخليج الآن أمام فرصة تاريخية لتحويل المخاطر إلى اندفاعة جديدة نحو اقتصاد أقل اعتماداً على النفط والوقود الأحفوري، وأكثر اعتماداً على الاستثمار والسياحة والخدمات اللوجستية والمالية أيضاً.