في 2026/03/09
عبدالله جابر - الخليج أونلاين
تلقي الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران بظلال ثقيلة على قطاع السياحة في دول الخليج، الذي يعد أحد أبرز محركات النمو الاقتصادي فيها.
فقد أدت الضربات العسكرية المتبادلة والعدوان الإيراني على الخليج، إلى إغلاق أجزاء واسعة من المجال الجوي لدول مجلس التعاون ما أدى لتعطل حركة السفر وإلغاء آلاف الحجوزات السياحية في مدن رئيسية مثل دبي والدوحة.
كما تشير بيانات المجلس العالمي للسفر والسياحة إلى أن إنفاق الزوار في الشرق الأوسط بلغ نحو 194 مليار دولار العام الماضي، في وقت كانت فيه دول الخليج تسعى لتعزيز موقعها كوجهة سياحية عالمية بعد استثمارات بمليارات الدولارات في البنية التحتية السياحية والمشروعات الترفيهية الكبرى.
ومع تصاعد الحرب باتت هذه الطموحات أمام اختبار صعب، مع تراجع أعداد السياح إلى المنطقة خلال العام الجاري.
اضطرابات
وتعرضت عدة منشآت حيوية مرتبطة بالقطاع السياحي في الخليج لتأثيرات مباشرة نتيجة الحرب، من ضمنها المطارات والفنادق وشبكات النقل الجوي.
وجرى تعليق الطيران في مطار دبي الدولي وهو الأكثر ازدحاماً بالمسافرين الدوليين في العالم، ما أدى لتأخير أو إلغاء رحلات سياحية عدة، في واحدة من أسوأ الأزمات التي تواجهه منذ جائحة كورونا عام 2020-2021.
كما أشارت التقارير إلى تضرر بعض المرافق السياحية في دبي، أبرزها "برج العرب" حيث أعلنت حكومة دبي (1 مارس) اندلاع حريق طفيف بالواجهة الخارجية للفندق، عقب اعتراض طائرة مسيرة، دون تسجيل إصابات.
وفي مدن خليجية أخرى مثل الدوحة وأبوظبي والكويت والمنامة، فرضت التطورات الأمنية قيوداً على الحركة الجوية والبحرية، ما أدى لتوقف الرحلات السياحية التي كانت تشهد نمواً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة.
وبحسب تقرير شركة "توريزم إيكونوميكس" للاستشارات السياحية (4 مارس)، من المتوقع أن ينخفض عدد المسافرين إلى الشرق الأوسط هذا العام بما يتراوح بين 23 و38 مليون زائر مقارنة بالتوقعات السابقة.
كما شهدت شركات السفر موجة إلغاءات واسعة للحجوزات السياحية، حيث ارتفع عدد إلغاءات الإقامة السياحية في الإمارات وحدها إلى نحو 8450 حجزاً بعد أول موجة من الهجمات، وفق بيانات منصة تحليل البيانات السياحية "إير دي إن إيه" (5 مارس).
وأظهرت بيانات موقع "فلايت رادار 24" أن عدد الرحلات الجوية الملغاة في منطقة الشرق الأوسط تجاوزت 21 ألف رحلة، حتى يوم الأربعاء الماضي (4 مارس)، بسبب الهجمات التي تشهدها المنطقة.
وقال مايكل أوليري، الرئيس التنفيذي لشركة الطيران الاقتصادي "ريان إير"، (3 مارس)، إن هناك انهياراً كبيراً في الحجوزات إلى الشرق الأوسط، متوقعاً أن تتعافى المنطقة سريعاً بعد هذه الأحداث.
وفي المقابل، سارعت الحكومات الخليجية إلى اتخاذ إجراءات لطمأنة الزوار وضمان استمرار الخدمات السياحية، إذ أكدت وزارة الاقتصاد والسياحة الإماراتية أن "الفنادق والمنتجعات والمعالم السياحية تواصل استقبال الزوار وفق أعلى معايير السلامة والجودة".
خسائر متوقعة
وتشير التقديرات الاقتصادية إلى أن قطاع السياحة في الشرق الأوسط قد يواجه خسائر ضخمة إذا استمر الصراع العسكري مدة طويلة.
حيث أصدرت عدة دول أوروبية والولايات المتحدة تحذيرات من السفر إلى الشرق الأوسط، بما في ذلك البحرين وقطر والكويت وعمان والسعودية والإمارات، بعد أن أدت الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران إلى زيادة احتمالات اندلاع صراع إقليمي أوسع نطاقاً.
إثر ذلك، توقعت شركة "توريزم إيكونوميكس" أن تتراوح خسائر إنفاق الزوار في المنطقة بين 34 و56 مليار دولار، نتيجة انخفاض أعداد السياح وتراجع الثقة في السفر إلى الشرق الأوسط.
ويرى خبراء أن دول الخليج قد تكون الأكثر تضرراً من هذه الخسائر، نظراً لاعتمادها الكبير على حركة الطيران الدولي واستقبال ملايين السياح سنوياً.
كما أشار مسؤولون في شركات الطيران العالمية إلى حدوث انهيار واضح في الحجوزات إلى الشرق الأوسط، مع تحول المسافرين إلى وجهات بديلة في أوروبا مثل البرتغال وإيطاليا واليونان.
قطاع محوري
وبالرغم من التحديات التي تفرضها الحرب، فإن قطاع السياحة يبقى أحد الركائز الأساسية في خطط التنويع الاقتصادي لدول الخليج بعيداً عن النفط.
وتعد الإمارات والسعودية من أكبر الأسواق السياحية في المنطقة، إذ تستقبل دبي وحدها ملايين الزوار سنوياً، في حين تسعى السعودية، ضمن رؤية 2030، إلى جذب عشرات الملايين من السياح الدوليين.
كذلك فقد كان للاستثمارات الضخمة في البنية التحتية السياحية، ومن بينها المطارات الحديثة والمنتجعات الفاخرة والفعاليات العالمية، دور في تحويل الخليج إلى وجهة سياحية تنافس المدن العالمية الكبرى.
ويرى خبراء السياحة أن القطاع أظهر مرونة كبيرة في مواجهة الأزمات السابقة، وقال مايكل أوليري، الرئيس التنفيذي لشركة الطيران الاقتصادي "ريان إير"، بحسب "رويترز"، إن "هذا الوضع لن يستمر طويلاً، ومن ثم فلن يكون له أي تأثير طويل الأمد، مع التأكيد على أنه يقوض الثقة في السفر جواً إلى الخليج".
والعام الماضي، ارتفعت مساهمة قطاع السفر والسياحة في اقتصادات الشرق الأوسط إلى نحو 367 مليار دولار سنوياً، وفق بيانات المجلس العالمي للسفر والسياحة.
قطاع حساس
وبالنظر للأرقام، فإن التوترات العسكرية والميدانية في المنطقة انعكست بشكل مباشر على قطاع السياحة في الخليج، حيث أثر على قرارات السفر لدى السياح وشركات الطيران وشركات التأمين، وفق الباحث الاقتصادي أحمد عيد.
وأضاف عيد، في تصريح لـ"الخليج أونلاين"، أن "القطاع السياحي بطبيعته شديد الحساسية للمخاطر الجيوسياسية، خصوصاً عندما يرتبط الصراع بممرات بحرية حيوية أو عندما تصل تداعياته الأمنية إلى محيط دول الخليج نفسها".
كما لفت إلى أن "هذه المخاطر تدفع بعض شركات الطيران إلى تعديل مساراتها أو تقليص الرحلات، ويؤدي إلى تراجع الحجوزات الفندقية والأنشطة السياحية على المدى القصير".
واستطرد قائلاً:
- التأثير، في الغالب، يكون مرحلياً أكثر منه استراتيجياً، لأن دول الخليج استطاعت خلال السنوات الماضية بناء بنية تحتية سياحية متطورة، إلى جانب امتلاكها قدرات مالية وتنظيمية تسمح لها بامتصاص الصدمات المؤقتة.
- لكن استمرار الصراع مدة طويلة قد يفرض تحديات أعمق، خاصة فيما يتعلق بثقة المستثمرين واستدامة تدفق السياح الدوليين.
- من المتوقع أن تتعامل دول مجلس التعاون الخليجي مع هذه التحديات عبر تعزيز إجراءات الأمن والاستقرار، وتكثيف حملات الترويج السياحي في الأسواق الآمنة، إضافة إلى تنويع مصادر السياحة والتركيز على السياحة الداخلية والإقليمية.
- كما أن المشاريع السياحية الكبرى التي يجري تطويرها في المنطقة ستظل ركيزة أساسية للحفاظ على جاذبية الخليج كوجهة سياحية عالمية، حتى في ظل الأزمات الإقليمية.