دول » دول مجلس التعاون

كيف غيّرت تطبيقات التوصيل شكل ولائم العيد في الخليج؟

في 2026/05/30

كمال صالح - الخليج أونلاين

تحوّل قطاع توصيل الطعام في دول مجلس التعاون الخليجي من مجرد خدمة تكميلية إلى ركيزة أساسية في الاقتصاد الرقمي الإقليمي، حيث يشهد ذروة نشاطه خلال مواسم الأعياد والمناسبات الاجتماعية.

إذ تشير البيانات والأرقام إلى تغير كبير في أنماط الحياة ونمط الاستهلاك المجتمعي، في أوساط المواطنين بدول مجلس التعاون الخليجي، حيث تحول الاهتمام من الطرق التقليدية التي كانت متوارثة نحو الاعتماد على التطبيقات الذكية في تلبية الاحتياجات الغذائية والاستهلاكية.

ومع كل موسم عيد، سواء الفطر أو الأضحى، تتضاعف الطلبات عبر التطبيقات الذكية في السعودية والإمارات وقطر والكويت وبقية دول الخليج، في مشهد يعكس تحولات اجتماعية واقتصادية عميقة، تجاوزت مجرد "الراحة" إلى إعادة تشكيل مفهوم الضيافة ذاته.

تحول فعلي

تفيد المؤشرات بأن العائلة الخليجية، التي كانت تعتمد سابقاً على الولائم المنزلية الثقيلة، أصبحت اليوم أكثر ميلاً إلى الطلب السريع، والعروض الجاهزة، والمطابخ السحابية، والخدمات الفورية التي تصل خلال دقائق.

كما تكشف بيانات شركات التوصيل وتقارير الأسواق أن الخليج تحول فعلياً إلى أحد أسرع أسواق التوصيل نمواً في العالم.

ووفق تقديرات حديثة، فإن سوق توصيل الطعام والبقالة والتجارة السريعة في دول الخليج تجاوز حاجز 19 مليار دولار خلال 2025، مع توقعات بارتفاعه إلى أكثر من 30 مليار دولار خلال السنوات المقبلة، مدفوعاً بالتحول الرقمي، وارتفاع معدلات استخدام الهواتف الذكية، والقوة الشرائية العالية في المنطقة، وفق تحليل لمنصتي "بي أند إس إنتليجنس" و"موردور إنتليجنس".

وخلال عيد الفطر الماضي، ثم عيد الأضحى الذي سبقه، سجلت منصات مثل "طلبات" و"جاهز" و"هنقرستيشن" و"كيتا" و"ديليفرو" مستويات طلب غير مسبوقة، خصوصاً في السعودية والإمارات، حيث تركزت الطلبات على الولائم العائلية، والمشاوي، والحلويات، والقهوة المختصة، إضافة إلى خدمات التوصيل السريع للبقالة والهدايا.

عادات متغيرة

في المدن الخليجية الكبرى، مثل الرياض وجدة ودبي والدوحة والكويت، بدأت ملامح "العيد الرقمي" تتضح أكثر من أي وقت مضى.

فالكثير من العائلات باتت تعتمد على التطبيقات لترتيب كامل ضيافتها، بدءاً من الذبائح واللحوم، مروراً بالمقبلات والحلويات، وانتهاءً بالمشروبات والثلج وحتى أدوات التقديم.

ففي السعودية، التي تُعد أكبر سوق للتوصيل في المنطقة، تجاوز عدد طلبات التوصيل خلال الربع الثاني من 2025 أكثر من 101 مليون طلب، وفق تقارير السوق، بينما يراوح معدل طلب الفرد النشط بين 8 و12 طلباً شهرياً، وهو من أعلى المعدلات عالمياً، وفق منصة "موردور إنتليجنس".

ويزداد هذا الرقم بصورة كبيرة خلال المواسم والأعياد، حيث تتحول التطبيقات إلى جزء أساسي من يوميات الأسر الخليجية، في حين تسهم العروض الموسمية والخصومات، إلى جانب انتشار الاشتراكات الشهرية، في تعزيز هذا التحول، خصوصاً لدى فئة الشباب والعائلات العاملة.

ووفقاً للمؤشرات، فإن العيد في دول الخليج أصبح مرتبطاً بما يمكن تسميته "الإدارة الذكية للوقت"، خاصة مع تسارع نمط الحياة، وارتفاع تكاليف العمالة المنزلية والطهاة، إضافة إلى رغبة كثير من الأسر في تقليل الجهد خلال الإجازات.

سباق التطبيقات

التنافس بين تطبيقات التوصيل في الخليج لم يعد يقتصر على سرعة إيصال الطلب، بل امتد إلى السيطرة على "موسم العيد" باعتباره واحداً من أكثر الفترات ربحية خلال العام.

فعلى سبيل المثال، منصة "طلبات"، التي تُعد من أكبر الشركات العاملة في المنطقة، سجلت خلال 2025 نمواً كبيراً في حجم الأعمال، حيث تجاوزت قيمة عملياتها مليارات الدولارات، مستفيدة من توسع خدمات التجارة السريعة والبقالة الفورية، وفق نتائج الربع الثالث من العام 2023، التي نشرتها المنصة ذاتها.

أما "جاهز" و"هنقرستيشن" في السعودية، فقد دخلتا سباقاً حاداً مع المنصة الصينية "كيتا"، التي تمكنت خلال أشهر قليلة من الاستحواذ على حصة متنامية من السوق السعودي، عبر حملات الخصومات والتوصيل منخفض التكلفة.

وأشار تقرير لموقع "رِست أوف وورلد" إلى أن منصة "كيتا" تجاوزت 150 مليون طلب خلال 2025 داخل السعودية وحدها، بينما سجلت "جاهز" نحو 68.7 مليون طلب خلال الأشهر التسعة الأولى من العام نفسه.

وفي الإمارات، توسعت تطبيقات التوصيل لتشمل خدمات العيد المتكامل، حيث أصبح بالإمكان طلب الولائم والحلويات والورود والعطور وحتى تجهيزات المجالس عبر تطبيق واحد، مع خدمة التوصيل خلال أقل من ساعة في بعض المناطق، عبر عدة تطبيقات منها "طلبات الإمارات" و"كريم ناو" و"ديليفرو الإمارات" و"نون فود".

 مطابخ سحابية

ومن أبرز التحولات التي غيّرت شكل عزائم العيد في الخليج، الانتشار الواسع لما يعرف بـ"المطابخ السحابية"، وهي مطابخ تعمل حصرياً لتلبية طلبات التطبيقات دون وجود صالات استقبال للزبائن.

هذا النموذج ساعد الشركات والمطاعم على التعامل مع الضغط الهائل خلال الأعياد، خصوصاً في المدن الكبرى، حيث تتضاعف الطلبات خلال ساعات محدودة، غالباً قبل الغداء أو بعد صلاة العيد مباشرة، وفق دراستين حديثتين لمنصتي "مارك إن تيل أدفايزرز" و"ذا ريبورت كيوبز".

وتشير الدراستان إلى أن التوسع في المطابخ السحابية ساهم في تقليل التكاليف التشغيلية وتسريع التوصيل، كما مكّن التطبيقات من تقديم قوائم طعام ضخمة ومتنوعة تناسب مختلف الشرائح الاجتماعية والثقافات الموجودة في الخليج.

كما بدأت بعض التطبيقات في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لتوقع حجم الطلبات خلال الأعياد، وتوزيع السائقين تلقائياً وفق الكثافة السكانية وساعات الذروة، لتقليل التأخير وتحسين تجربة المستخدم.

ورغم أن كثيراً من العائلات الخليجية لا تزال تحافظ على جانب من تقاليد العيد القديمة، فإن المؤشرات كلها توحي بأن "الضيافة الرقمية" أصبحت واقعاً دائماً لا مجرد ظاهرة مؤقتة، إذ لم تعد التطبيقات مجرد وسيط لإحضار الطعام، بل تحولت إلى جزء من الثقافة الاجتماعية الجديدة في الخليج، خاصة بين الأجيال الشابة.

ومع استمرار التوسع في الاقتصاد الرقمي، وتنامي الاعتماد على الذكاء الاصطناعي والخدمات الفورية، يبدو أن عزائم العيد الخليجية ستواصل تغيرها عاماً بعد آخر، لتصبح أكثر ارتباطاً بالشاشات والتطبيقات، وأقل ارتباطاً بالمطبخ التقليدي الذي ظل لعقود قلب المناسبة وروحها.

اقتصاد المواسم

لا تقتصر طفرة التوصيل خلال الأعياد على المطاعم فقط، بل تمتد إلى قطاعات اقتصادية واسعة تشمل شركات التغليف، والخدمات اللوجستية، والتسويق الرقمي، والتوصيل السريع، وحتى موردي اللحوم والحلويات والقهوة.

وتشير تقديرات إلى أن بعض المطاعم الخليجية تحقق خلال أيام العيد وحدها مبيعات تعادل أسابيع كاملة من العمل الاعتيادي، خاصة المطاعم المتخصصة في الولائم والمشاوي والأطباق الشعبية.

كما أصبحت الأعياد موسماً رئيسياً لتوظيف آلاف السائقين المؤقتين، مع ارتفاع الطلب بصورة كبيرة، في وقت تستثمر فيه الشركات ملايين الدولارات لتطوير البنية التقنية وتحسين إدارة "الميل الأخير" للتوصيل، وهي المرحلة الأكثر تعقيداً وكلفة في العملية التشغيلية.

وفي المقابل، تواجه الشركات تحديات متزايدة، أبرزها الازدحام المروري، وارتفاع تكاليف الوقود والتأمين، وصعوبة الحفاظ على سرعة التوصيل خلال ساعات الذروة، خصوصاً في المدن الكبرى مثل الرياض ودبي.