صحة » اجراءات

طبيبك هو الذكاء الاصطناعي؟ هل هذا ممكن.. وهل تثق به؟

في 2026/08/17

الخليج أونلاين

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة للبحث عن المعلومات، بل بدأ يحتل موقعاً متزايداً في رحلة المريض، من البحث عن الأعراض وفهم نتائج الفحوصات إلى التعرف على خيارات العلاج والاستعداد لزيارة الطبيب.

وأظهرت دراسة أجراها باحثون من قسم الذكاء الاصطناعي في شركة مايكروسوفت، بالتعاون مع فريق «مايكروسوفت كوبيلوت»، وشملت أكثر من نصف مليون مستخدم، أن الاستفسارات المرتبطة بالصحة باتت جزءاً متنامياً من استخدام روبوتات المحادثة.

وخلصت الدراسة، التي أُجريت في يناير/كانون الثاني ونشرتها دورية Nature Health، إلى أن نحو خُمس المحادثات تتضمن تقييماً شخصياً للأعراض أو نقاشاً بشأن حالة مرضية، فيما تركز نسبة أخرى من الاستفسارات على علاجات وأمراض محددة. كما أظهرت أن نحو واحد من كل سبعة استفسارات صحية شخصية يتعلق بشخص آخر غير المستخدم، بما يعكس تحول هذه الأدوات إلى وسيلة للحصول على معلومات وإرشادات صحية تتجاوز الاستخدام الشخصي المباشر.

وتشير بي بي سي إلى أن انتشار هذه الاستخدامات يثير أسئلة متزايدة بشأن تأثير الذكاء الاصطناعي على الطريقة التي يفهم بها الناس صحتهم ويتخذون قراراتهم الطبية، وما إذا كانت هذه التقنيات ستسهم في تحسين الوصول إلى الرعاية الصحية، أم أنها قد تحمل مخاطر تتعلق بالتشخيص الخاطئ أو تأخير طلب العلاج.

من العلاج إلى الوقاية

ويرى خبراء أن دور الذكاء الاصطناعي في القطاع الصحي قد يتجاوز تقديم المعلومات إلى المساهمة في تغيير نموذج الرعاية الصحية نفسه، خصوصاً في ظل النقص العالمي في أعداد العاملين في المجال الطبي.

وتتوقع منظمة الصحة العالمية عجزاً عالمياً بنحو 11 مليون عامل صحي بحلول عام 2030، في وقت لا يحصل فيه مليارات الأشخاص على الخدمات الصحية الأساسية بسبب نقص الكوادر والإمكانات.

ويقول الطبيب الأميركي دانيال كرافت، مؤسس منصة NextMed Health والشريك في Continuum Health Ventures، لـبي بي سي نيوز عربي، إن الاستخدام الواعي للذكاء الاصطناعي يمكن أن يوسع الوصول إلى المعلومات والخدمات الصحية، ويعزز العدالة الصحية من خلال توفير معلومات لم تكن متاحة بسهولة لكثير من الناس.

ويعتقد كرافت أن الذكاء الاصطناعي قد يصبح بالنسبة إلى بعض الأشخاص، ولا سيما أصحاب الدخل المنخفض أو سكان المناطق التي يصعب فيها الوصول إلى الطبيب، وسيلة أساسية للحصول على المعلومات الصحية الأولية.

كما تتميز هذه الأدوات، وفق كرافت، بقدرتها على تكييف الإجابات وفق عمر المستخدم ولغته وثقافته ومستواه التعليمي واحتياجاته الصحية، وإن كانت لا تزال أكثر كفاءة في اللغة الإنجليزية مقارنة بالعربية والعديد من اللغات الأخرى.

ويتوقع كرافت أن تتطور هذه التقنيات مستقبلاً لتدمج التاريخ الطبي للمستخدم وبياناته الوراثية والمعلومات التي تجمعها الأجهزة القابلة للارتداء، بما يسمح بتقديم إرشادات صحية أكثر تخصيصاً.

وقد يساعد ذلك المرضى على فهم حالاتهم بصورة أفضل قبل زيارة الطبيب، والاستعداد لطرح أسئلة أكثر دقة، والمشاركة بصورة أكبر في القرارات المتعلقة بعلاجهم، بما يدفع الرعاية الصحية تدريجياً نحو نموذج أكثر تركيزاً على الوقاية والكشف المبكر، بدلاً من الاكتفاء بعلاج المرض بعد ظهوره.

محادثة بدلاً من البحث

ولا تكمن جاذبية روبوتات المحادثة الصحية في سرعة الحصول على الإجابة فحسب، بل أيضاً في طبيعتها التفاعلية. فبدلاً من عرض قائمة طويلة من نتائج البحث، تتيح هذه الأدوات للمستخدم طرح أسئلة متتابعة والحصول على شروحات مبسطة وفقاً لما يريده.

ويقول جيمس بارلو، أستاذ إدارة التكنولوجيا والابتكار في الرعاية الصحية بكلية إدارة الأعمال في إمبريال كوليدج لندن، لـبي بي سي عربي، إن الذكاء الاصطناعي غيّر بالفعل الطريقة التي يبحث بها الناس عن المعلومات الصحية، مع انتقال كثيرين من محركات البحث التقليدية إلى المحادثات التفاعلية.

ويرى بارلو أن هذه الأدوات تستطيع تبسيط المعلومات الطبية المعقدة وشرح المصطلحات ونتائج الفحوصات وخيارات العلاج بلغة يفهمها غير المتخصصين، كما توفر المعلومات على مدار الساعة، وهو ما قد يشجع أشخاصاً على طلب المشورة بشأن أعراض أو مخاوف صحية كانوا قد يتجاهلونها في السابق.

لكن هذا التحول قد يعيد أيضاً تشكيل طبيعة العلاقة بين المريض والطبيب. فمع تولي الذكاء الاصطناعي جزءاً من مهمة شرح المعلومات، قد يتحول دور الطبيب بصورة أكبر نحو تفسير هذه المعلومات ووضعها في سياقها السريري والتحقق من دقتها.

مخاطر الثقة الزائدة

ورغم الإمكانات التي توفرها هذه التقنيات، يحذر الخبراء من مخاطر الاعتماد عليها من دون إدراك حدودها.

ويشير بارلو إلى أن بعض الإجابات قد تمنح المستخدم شعوراً زائفاً بالثقة، أو تدفعه إلى تأجيل زيارة الطبيب، خصوصاً عندما تكون المعلومات المقدمة مقنعة رغم عدم دقتها. كما قد تتسع الفجوات الصحية إذا لم تتوافر هذه التقنيات بصورة عادلة لجميع الفئات، أو إذا اختلفت قدرة المستخدمين على فهم المعلومات الرقمية وتقييمها.

ويؤكد دانيال كرافت بدوره أن أياً من منصات الذكاء الاصطناعي ليس معصوماً من الخطأ، مشيراً إلى أن المشكلة تكمن أحياناً في أن الخطأ قد يأتي بصياغة واثقة تجعل اكتشافه أكثر صعوبة.

ويظل الخطر الأكبر، بحسب الخبراء، في الحالات التي تستدعي تدخلاً طبياً عاجلاً. فأعراض مثل ألم الصدر، أو مؤشرات السكتة الدماغية، أو النزيف الحاد، لا ينبغي التعامل معها من خلال روبوتات المحادثة، بل تتطلب الحصول على الرعاية الطبية بصورة فورية.

ويحذر الخبراء كذلك من مشاركة المعلومات الصحية الحساسة مع هذه المنصات، إذ لا ينبغي افتراض أنها تتمتع دائماً بمستوى السرية والحماية ذاته الذي توفره المؤسسات الطبية.

هل يحل الذكاء الاصطناعي محل الطبيب؟

يرى جوزيف ألدرمان، الباحث والطبيب المتخصص في الذكاء الاصطناعي والصحة الرقمية بجامعة برمنغهام في بريطانيا، لـبي بي سي نيوز عربي، أن التفاعل مع روبوتات المحادثة قد يمنح المستخدم انطباعاً بأنه يتحدث إلى شخص حقيقي، لكنها في النهاية أنظمة حاسوبية يمكن أن تخطئ.

وينصح ألدرمان بالتعامل مع المعلومات التي تقدمها هذه الأدوات باعتبارها نقطة بداية للبحث، وليس حقيقة طبية نهائية، مع مقارنتها بمصادر موثوقة واللجوء إلى الطبيب عند وجود أعراض مقلقة.

وبينما يختلف الخبراء في تقدير حجم التحول الذي يمكن أن يحدثه الذكاء الاصطناعي في القطاع الصحي، فإنهم يتفقون على أنه لن يلغي دور الطبيب في المستقبل المنظور. والأرجح أن يؤدي إلى إعادة توزيع الأدوار، بحيث تتولى الأنظمة الذكية جانباً من البحث وتبسيط المعلومات، فيما يحتفظ الطبيب بالمسؤولية الأساسية عن التشخيص والعلاج واتخاذ القرارات السريرية.

وبذلك، لا يبدو أن السؤال الأهم هو ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيحل محل الطبيب، بل كيف يمكن دمجه في رحلة المريض بصورة آمنة وفعالة، بحيث يكون أداة تعزز الرعاية الصحية ولا تتحول إلى بديل عن الخبرة الطبية والفحص السريري.