علاقات » روسي

المملكة العربية السعودية وإيران: ما الذي يمكن لـ«بوتين» أن يفعله؟

في 2016/06/07

يبدو أن الجهود التي بذلت مؤخرا لتخفيف حدة التوتر بين السعودية وإيران قد فشلت. وحتى محاولة تعديل نهج روسيا في المنطقة من خلال المناقشة الصريحة التي جرت بين وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي و«سيرغي لافروف» في 26 مايو/أيار لم يكن من المتوقع أن تحقق أي نتائج فورية. التوتر بين الجانبين، دول مجلس التعاون الخليجي وإيران، يتزايد باضطراد كما كان على مدى السنوات القليلة الماضية.

أعلنت المملكة العربية السعودية قيامها بالقبض على شبكة تجسس إيرانية مزعومة مكونة من 30 من الوكلاء السعوديين الذين يعملون لصالح الحرس الثوري الإيراني في مايو/أيار. أعلنت طهران أن الرياض قد اختلقت القصة وأنه لا يوجد لديها أي جواسيس في المملكة العربية السعودية.

حدث ذلك في الوقت الذي تواصل فيه الميليشيات الشيعية الموالية لإيران في العراق وسم الصواريخ التي تطلقها على «الدولة الإسلامية» في الفلوجة بصور الشيخ «نمر النمر» رجل الدين الشيعي الذي أعدمته الحكومة السعودية في يناير/كانون ثان من هذا العام. تلوح الميليشيات أيضا بصور «آية الله الخميني» و«خامنئي» في الوقت الذي تتوارد فيه الأنباء عن القتل الطائفي في العديد من القرى العراقية المحيطة بها، عندما تكون الكاميرات غير موجودة.

في ذات التوقيت تقريبا تواصل إيران إرسال وحدات الجيش النظامي وليس الحرس الثوري من أجل ملأ المساحات التي كانت قوات الحرس الثوري قد انسحبت منها بعد أن تكبدت خسائر فادحة. وربما يعكس انتشار هذه الوحدات شيا أعمق من مجرد ملء الفراغ الناجم عن سحب بعض وحدات الحرس الثوري.

وفي الوقت نفسه، فإن محاولات تسوية النزاع حول السماح للإيرانيين بالذهاب إلى موسم الحج السنوي قد تعثرت. وقد قررت إيران عدم السماح لمواطنيها بالذهاب إلى المملكة العربية السعودية في موسم الحج، كما رفضت طهران اللوائح المحددة من قبل المملكة العربية السعودية لتنظيم هذا الحدث.

وعلاوة على ذلك فقد تبادل القراصنة الإيرانيون والسعوديون الهجمات الالكترونية على المواقع الحكومية لبعضهم البعض، ولا تزال الحرب بين الجانبين مستمرة إلى الآن.

كل هذا يحدث في الوقت الذي يتحدث فيه الرئيس حول السلام البارد بين السعودية وإيران. وحتى هذا السلام البارد يبدو بعيدا في الوقت الذي يؤكد فيه الرئيس «أوباما» أنه لا يزال لدينا طريق طويل لنقطعه.

ولكن الوقت يجب أن يتم قياسه وفق معيار الخطوات التي تم اتخاذها وليس وفق عدد الأيام أو الشهور التي مرت. أي نوع من الخطوات التي ينبغي اتخاذها، والتي يمكن أن تثمر في نهاية المطاف انفراجا دائما بين البلدين؟ ومن الذي ينبغي أن يتخذ تلك الخطوات التي يمكن أن تساعد الجانبين من أجل التوصل إلى سلام بارد؟.

هل تلعب موسكو دورا؟

ذهب وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي إلى موسكو للمشاركة في الجولة الرابعة من محادثات التعاون الاستراتيجي بين البلدين. هذه هي المرة الأولى التي يجتمع فيها الوزراء في موسكو. وقد عقدت الجلسات الثلاثة السابقة في منطقة الخليج.

وبطبيعة الحال، كان الدبلوماسيون الروس يميلون لتصدير الوجه الأكثر تفاؤلا حول المؤتمر. وقال سفير موسكو في الرياض أن موسكو لديها بالفعل أفكار كبيرة فيما يتعلق بأمن الخليج وحل الأزمتين السورية واليمنية، في حين أن رئيسه، وزير الخارجية الروسي «سيرغي لافروف»، قد أكد على أن الجانبين لديهما وجهات نظر متطابقة حول القضايا الإقليمية على الرغم من بعض الخلافات وأن المحادثات كانت بناءة ومفيدة. ومع ذلك، فقد أكد وزير الخارجية السعودي «عادل الجبير» أن روسيا ودول مجلس التعاون الخليجي لم يتوصلا إلى اتفاق بشأن مستقبل «بشار الأسد».

وتشير دلائل كثيرة على أن هناك المزيد من الخلافات. ولكن وزراء دول مجلس التعاون الخليجي لم يكونوا يهدفوا منذ البداية إلى جعل المحادثات تدور حول محاولة تغيير سياسات روسيا في المنطقة، بقدر ما كانا يهدفون إلى توضيح مخاوفهم الجماعية بشأن سياسات روسيا في مسائل الأمن في دول مجلس التعاون الخليجي ودور إيران، والأزمة في سوريا، وتقديم الأفكار والمقترحات، والإشارة إلى أن موسكو يمكن أن تلعب دورا مختلفا إذا اختارت أن تفعل ذلك.

ومن الواضح أن الروس يفضلون عدم الإعراب علنا ​​عن أي تلميح أنهم قد يعيدوا النظر في موقفهم بشأن مستقبل «بشار الأسد». وعد الرئيس «بوتين» المرشد الأعلى الإيراني «آية الله خامنئي» خلال لقائهما في طهران في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي أن روسيا لن تقرر من جانب واحد مستقبل «الأسد» دون مراجعة مواقفها أولا مع الإيرانيين. ولكن موقف موسكو بشأن هذه القضية هو موقف عملي بعض الشيء، بمعنى أنها تقارب الأزمة وفق أسس استراتيجية وليس على أساس المعطيات الشخصية.

الاجتماع لم يحقق أي نتائج ملموسة. وقد أسفر بالكاد عن تزويد موسكو برؤية واضحة حول مواقف دول مجلس التعاون الخليجي لحل الأزمة السورية وتعزيز أمن الخليج. واقترن ذلك مع بيان يوضح كيف يمكن أن يتطور مستقبل العلاقات بين روسيا ودول مجلس التعاون الخليجي إذا قررت موسكو أن تلعب دورا بناء في هاتين المسألتين. وقد تم التلميح بوضوح إلى آفاق التعاون حول إنتاج النفط وفي مجال الطاقة النووية.

ولكن الفارق بين هذا الاجتماع الأخير وبين الاجتماع الذي عقد في الكويت في فبراير/شباط 201 يعكس مدى زيادة الوزن النسبي لروسيا في الشرق الأوسط في خلال عامين فقط. وتبدو روسيا الآن كوسيط محتمل يتمتع بوضع جيد بين دول مجلس التعاون الخليجي وإيران في اثنين من القضايا الملحة وهما سوريا وأمن الخليج. لم يكن هذا هو الحال قبل عامين.

فقط في فبراير/شباط الماضي، حذرت روسيا من أن أي تحرك من قبل دول الخليج لإرسال قوات لدعم الثوار في سوريا من شأنه أن يهدد بخطر اندلاع حرب عالمية جديدة. في الوقت الراهن، بدلا من ذلك، يبدو أننا نشهد المزيد من الحوار.

ما هي فرص روسيا للعب دور وسيط نزيه؟

للإجابة على هذا السؤال، ينبغي علينا دراسة العوامل التي يمكن أن تشكل الدور الروسي في المنطقة، وبالتالي مدى قدرة روسيا على الحفاظ على وزنها الحالي أو ربما حتى زيادته.

العامل الأول هو ما تقوم به الولايات المتحدة، أو على وجه أدق ما لا تقوم به. النفوذ الروسي هو دائما نسبي. في حالة عودة الولايات المتحدة إلى لعب دور ديناميكي قادر على معالجة القضايا الإقليمية في الوقت المناسب، فإن المساحة المتاحة لروسيا ونفوذها على الأرض سوف تنخفض بكل تأكيد. ومن المرجح أن الرئيس القادم سوف يتخلى عن عقيدة عدم فعل شيء التي يتبناها الرئيس «أوباما».

العامل الثاني هو درجة من المرونة التي يمكن أن تظهرها كل من إيران ودول مجلس التعاون الخليجي في التعامل مع الأزمات الإقليمية. حتى الآن، نحن نرى فقط علامات على تزايد وتيرة هذه المنافسة الإقليمية في حين يبدو أن علامات الإرهاق لم تظهر بعد على كلا الطرفين. على الرغم من الخسائر الفادحة للحرس الثوري الإيراني في سوريا، فقد قررت إيران تعزيز تواجد جيشها النظامي. وعلى الرغم من الخسائر المالية الكبيرة بسبب انخفاض أسعار النفط، فإن السعوديين لا يزالون يضخون النفط الخام بكامل طاقتهم تقريبا.

ولم يظهر وكلاء أي من الجانبين مرونة تذكر في سوريا أو اليمن. في العراق، فإننا لا نزال نلمس تصاعد نفس الحمى الطائفية القديمة جنبا إلى جنب مع الأزمة السياسية والأمنية على الجانب الشيعي.

العامل الثالث هو كيفية تعامل روسيا نفسها مع تلك المنطقة شديدة الاستقطاب. وبعبارة أخرى، فإنه من الصعب أن نتصور أن روسيا سوف تقلص دعمها لإيران من أجل السير في منتصف الطريق. وقد استثمر الرئيس بوتين قدرا كبيرا من رصيده السياسي والدبلوماسي والعسكري في سياسته الحالية.

المخاوف في موسكو من تقارب محتمل بين إيران والغرب لا تزال لا تقدم ما يكفي من الأسباب لجعل دول مجلس التعاون الخليجي أكثر جاذبية بالنسبة لموسكو. ولم يكن من المستغرب أن الرئيس بوتين التقى القائد في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني في ديسمبر الماضي، في حين يقوم «سليماني» الآن بزيارات متكررة إلى موسكو. طالما يمكن للحرس الثوري الإيراني عرقلة أي تقارب لإيران مع الغرب، فإن الكريملين سوف يظل ينظر إليه كحليف استراتيجي.

هذا يخلق عقبة هيكلية في ترويج التحول الروسي في الشرق الأوسط نظرا لأنه من الواضح أن الحرس الثوري الإيراني هو الحليف المنطقي لاستراتيجية موسكو المناهضة للغرب في الوقت الذي يمثل فيه المصدر الرئيسي للمشكلة مع دول مجلس التعاون الخليجي ولأزمة الاستقرار في المنطقة. من الصعب أن نرى كيف يمكن أن توفق موسكو بين حاجتها إلى الحرس الثوري ضد الغرب حاجة دول مجلس التعاون الخليجي لتحقيق الاستقرار وإيجاد حل عادل في سوريا.

في أفضل الأحوال، يمكننا أن نرى فقط تغييرات طفيفة في سياسة «بوتين» في سوريا وبثمن مرتفع. يشترط أي تغيير جدي في سياسات روسيا في الشرق الأوسط أن تقوم بمكافحة نشاط الحرس الثوري الإيراني في المنطقة وبالتالي خفض وزنها النسبي في إيران. هذا هو الظرف الوحيد الذي سيجبر السيد «بوتين» على تغيير حساباته.

كلما أصبح الحرس الثوري أقل فائدة، كلما أصبح واضحا لـ«بوتين» حجم مخاطر تمسكه بالسياسات المتشددة في سوريا أو رفض دعوة مجلس التعاون الخليجي لتحسين العلاقات.

توقع التحول في استراتيجية موسكو في الشرق الأوسط يبدو متفائلا أكثر من اللازم. ولاسيما إذا كان قائما على إغراء من الصفقات التجارية والمبادرات الدبلوماسية. من أجل أن تقوم روسيا حقا بتغيير مواقفها، فإن ديناميات الأزمة في المنطقة يجب أن تتغير.

سمير التقي وعصام عزيز - ميدل إيست بريفينغ - ترجمة وتحرير فتحي التريكي - الخليج الجديد-