علاقات » عربي

يوسف زيدان وأزمة الثقافة العربية

في 2016/08/20

الانحطاط الثقافي الذي يمارسه البعض في منطقتنا دون التفكير في الأمن القومي العربي ودون فهم حقيقة «الأمة» هو الذي همش الثقافة العربية وجعلها في آخر أطراف ثقافات العالم

كثرت الردود مؤخراً على تعالي الروائي المصري يوسف زيدان على حضارة الجزيرة العربية واتهامه لها ولشعوبها بصفات لا تخرج عن رجل من العامة فضلا عمن يدعي الثقافة والعلم بالتاريخ، ولأنني هنا لست بصدد الرد على ما ذكره فهو لا يستحق أن نقف عنده كثيرا، إلا أن الأمر يجب أن يبحث في أصل هذه الظاهرة التي شكلت صورة نمطية لدى بعض من يدعي الثقافة في المنطقة العربية حول الجزيرة وسكانها دون أن يكلف نفسه عناء البحث عن الحقيقة. ولأنها ليست المرة الأولى ولن تكون الأخيرة لظهور من يعتقد أنه يملك زمام الثقافة العربية ويدعي أن هناك "دول المركز" و"دول الأطراف" وبالطبع الجزيرة العربية وما تحتويه بالنسبة لهم هي الأطراف الثقافية لأمة بائسة لم تستطع أن تحافظ على هويتها وكينونتها، لذلك فإن أي حضور ثقافي وتطور علمي ومعرفي لأبناء الجزيرة في عرف هؤلاء هو "ادعاء" ولا ينبع من "جذور ثقافية أصيلة".

هذه الغيرة المقيتة بدأت مبكرا في الثقافة العربية المعاصرة ربما منذ خمسينيات القرن الماضي عندما بدأت المملكة ودول الخليج العربي في النهوض وبناء الصروح العلمية وتبني البرامج الثقافية التي صنعت ما يعرف بالثقافة المعاصرة في المنطقة العربية، فقد كانت الجزيرة العربية المعاصرة تملك عنصرين اساسيين هما الاستقرار السياسي والمقدرة الاقتصادية مقارنة بباقي الدول العربية وأضيف لهما عنصرا ثالثا هو البعد عن العنصرية والانحياز، فقد كان ابناء الجزيرة ومازالوا وسيظلون هم أصل العروبة ومنبع ثقافتها وأي إنجاز لأي عربي هو إنجاز للأصل والمنبع، لذلك فقد فتحوا المجال لكل المثقفين العرب وكرموهم، لكن بعض هؤلاء لم يرضهم هذا وصاروا يتلذذون باستنقاص الاعمال الجليلة التي قدمتها دول الجزيرة للمنطقة العربية وللعالم.

ومع ذلك لم يرضنا أن نعزل أنفسنا عن هذا المرض المستفحل بين المثقفين العرب وعملنا خلال العقود الماضية على أن نعمل بمفهوم "الأمة الواحدة" وأن نتعامل مع كل شاذ ثقافيا كابن عاق سرعان ما يعود إلى أحضان الأسرة، لكن ما ظل يحدث كان غير ذلك، ففي كل مرة يخرج علينا "سفيه" يحاول أن يشهر نفسه على هدم تاريخنا وهويتنا.

بالنسبة لي لم يمر علي أمة في العالم ينهش مثقفوها قلبها أو أطرافها ولم أجد مثقفا في العالم يعمل بكل جد واجتهاد على بناء جسور من الكراهية بدلا من أن يفتح قنوات من الحب والتكامل، إلا عندنا ومن بعض المثقففين العرب البائسين الذين فقدوا بوصلتهم ومازالوا يبحثون عنها.

هذه الظاهرة المبكرة لم يشف منها حتى الآن بعض الموتورين الذين لا يفقهون في معنى العروبة وليسوا مؤمنين بها، فهمهم الأوحد مكاسبهم الشخصية، فزيدان لا يهمه مثلا أن يبيع الاقصى، وأن يزوّر التاريخ ويرمي ما في جوفه من قاذورات على الجزيرة العربية وتاريخها من أجل أن يظهر إعلاميا، هذا الانحطاط الثقافي الذي يمارسه البعض في منطقتنا دون التفكير في الأمن القومي العربي ودون فهم حقيقة "الأمة" هو الذي همش الثقافة العربية وجعلها في آخر أطراف ثقافات العالم.

المشكلة من كان يدعي أنه من ثقافة "المركز" طوال سبعة العقود الأخيرة ومن كان ينظر لتاريخنا ومنتجنا الثقافي بدونية ولم يفكر في يوم أن يأخذنا بجدية أصبحوا هم ومدنهم "المركزية" في آخر الركب وفي ذيل العالم بينما "الأطراف" تسيدت المنطقة العربية وصارت تقودها.

لا أقول هذا تشفيا فهذا لا يسعدني ولا يسعد أحدا من أبناء الجزيرة الكرماء، فنحن لم نرض ولا نرضى بهذا التراجع العربي لأنه وكما قلت يؤثر في الاصل ويقلل من تأثيره. لكنني أحاول أن أبحث كيف قادتنا ظاهرة التعالي الثقافي لدى مدعي الثقافة العربية إلى الهاوية وكيف أنها شكلت نقطة ضعف كبيرة مازالت الأمة العربية تعاني منها ويصعب علاجها في المستقبل القريب.

في اعتقادي أن هؤلاء المدعين كانوا على الدوام يعملون "كجواسيس الثقافة"، سواء بوعي أو دون وعي، فقد عملوا على التشكيك في جوهر الثقافة العربية خلال العقود السابقة، وإذا أردت أن تهدم أمة فشكك أبناءها في وجودها تاريخيا وثقافيا، ويبدو أنهم نجحوا في ذلك إلى حد كبير، وأمثال زيدان هم "جواسيس" الثقافة العربية الذين عملوا عبر رواياتهم (سواء أكانوا كاتبيها أم سارقيها) ومقالاتهم على تشكيك الشباب العربي في هويته الثقافية ففقد الثقة في العروبة وفي مستقبلها.

الغريب أن الجامعة العربية أطلقت هذا الشهر (11 أغسطس) مبادرة باسم "نحكي عن أوطاننا" لتعزيز الهوية الوطنية لدى الشباب العربي، فقد لاحظت الجامعة أن الجيل الجديد في المنطقة العربية فقد الايمان بهويته وبوطنيته فأطلقت هذه المبادرة.

لكنني اتساءل فعلا هل يمكن أن تنجح مبادرة مثل هذه لاعادة الثقة لدى الشباب العربي بهويته وكينونته، وأمثال زيدان وهم كثر يتسكعون على موائد الغرب وسفاراتهم ويعملون ليل نهار على هدم الهوية العربية؟

هذا التساؤل قديم، لم يبدأ مع محاولة زيدان الأخيرة لقذف شعوب كاملة تدين لها الثقافة العربية قديما وحديثا بالفضل، بل بدأ منذ أن حاول البعض في وقت مبكر بالتشكيك في أصل العروبة ومنابع ثقافتها أمثال طه حسين ومن أتى بعده (رغم أن إثارة الأسئلة النقدية المنهجية إذا كانت بهدف معرفي وليست من أجل استنقاص أحد وتفكيك الأمة الواحدة مطلوبة ومهمة).

نحن نعيش أزمة ثقافية ندفع ثمنها باهظا اليوم وأتمنى أن يتشكل وعي عربي جديد يتجاوز هذه السقطات الكبيرة التي أدت إلى الاخفاق المعاصر الذي نعيشه.

وبشكل عام فإن تحليل هذه الظاهرة يجب ألا يكون عاطفيا ويجب أن يخضع لفهم عميق لتأثير هذا السلوك الغريب على "بنية" الثقافة العربية المعاصرة وحضورها بين ثقافات العالم، فالتراجع على كافة الأصعدة الذي تعيشه الأمة العربية والتفكك الاجتماعي ونمو الهوية العرقية والطائفية داخل المنطقة العربية كانت نتيجة لهذه التغذية المستمرة لثقافة الكراهية التي تبناها من يدعي الثقافة، فعامة الناس يتلقون ما يقدمه هؤلاء على أنه حقائق وهذا صنع جدرانا عالية بين الشعوب العربية وداخل الدولة العربية الواحدة.

لقد تشكلت حالة من "الهدم" المستمر لمفهوم الأمة أوصلتنا لهذه الحالة البائسة التي نعيشها اليوم ولا نعرف كيف نخرج منها.

مشاري عبدالله النعيم- الرياض السعودية-