اقتصاد » احصاءات

مؤشرات سلبية لزيادة الدين العام السعودي

في 2016/11/04

تبنّت الحكومة السعودية رؤية للإصلاح المالي والاقتصادي أوصى بها خبراء صندوق النقد الدولي، وهي توصيات قد تكون شديدة السلبية على أداء التنمية في أي بلد نامٍ مثل السعودية، خاصة أنها لا تُراعي التدرج، ولا تمكن الإدارة من تأهيل مجتمعي، وكذلك غياب التأهيل لميلاد قطاع خاص حقيقي قادر على المشاركة الاقتصادية، عبر الموارد الاقتصادية المحلية، سواء كانت مالية أو بشرية.

وفي مؤشر شديد السلبية لما يُنتظر من تطبيق حزمة السياسات التي سميت ببرامج الإصلاح الاقتصادي، ارتفع الدين العام السعودية بنهاية أغسطس 2016 ليصل إلى 73 مليار دولار.

والجدير بالذكر أن حزمة برامج الاصلاح الاقتصادي التي أتت عبر رؤية 2030، التي أُحتفي بها، إنما هي مجرد تفريغ لتوصيات خبراء صندوق النقد الدولي في تقريريين منفصلين نُشرا على موقع الصندوق في مارس وأكتوبر من عام 2015، الأول تحت عنوان "المملكة العربية السعودية: معالجة التحديات الاقتصادية الناشئة لحفاظ على النمو" والثاني بعنوان "المملكة العربية السعودية: تقرير القضايا المختارة".

صندوق الدين

ومنذ أيام، أصدرت وزارة المالية السعودية بيانًا عن إنشاء كيان جديد، يحمل اسم "صندوق الدين" معني بإدارة الدين العام الآخذ في الارتفاع منذ عام 2014، حيث بدأت السعودية في الاتجاه للتوسع في الدين الخارجي ليصبح رصيده 10 مليارات دولار، يضاف إليها ديون محلية بنحو 63 مليار دولار.

وثمة استنتاج يتعلق بالتوسع في الدين العام، والانتقال من المديونية المحلية إلى المديونية الخارجية، وهو أن معدلات السيولة تواجه مشكلات في الداخل، كما أن هناك إشارات لخروج رؤوس أموال محلية لدول أخرى بسبب حالة عدم الاستقرار التي تعيشها المنطقة، خاصة بعد دخول المملكة بشكل مباشر في الحرب اليمنية.

لقد قفز الدين العام المحلي السعودي من 11.8 مليار دولار في عام 2014 إلى 63 مليار دولار في أغسطس 2016، أي زاد بنحو 51 مليار دولار خلال حوالي 20 شهرًا.

ومسمى الكيان الجديد له دلالات سلبية لمتابعي التاريخ الاقتصادي المصري، حيث كان إنشاء صندوق الدين الباب الذي دلف منه الانجليز لاحتلال مصر.

وعلى ما يبدو، فإن الإدارة الاقتصادية بالمملكة تتجه نحو التوسع في المديونية الخارجية، حيث حُدد هدف الصندوق بتأمين الاحتياجات التمويلية للمملكة بأفضل التكاليف الممكنة على المدى القصير والمتوسط والبعيد، بحيث تكون مخاطر التمويل متناسبة مع السياسات المالية للمملكة.

وبكورة أعمال هذا الصندوق هو الترتيب مع بنوك أجنبية لحصول المملكة على قرض جديد، لم تتم الإشارة إلى قيمته، ولا إلى المصادر التي سيوظف فيها، اللهم إذا كان تغطية عجز الموازنة البالغ نحو 20% من الناتج المحلي الإجمالي، بسبب أزمة انهيار أسعار النفط.

وعلى ما يبدو أيضاً، فإن ملامح السياسة المالية الجديدة هي الاستغراق في استخدام آلية الدين للتمويل، حيث أعلنت وزارة المالية، أنها بصدد تسجيل وإدراج وتداول الدين العام في سوق الأوراق المالية.

إصلاح عديم الجدوى

والمفترض أنه مع الخطوات التي اتخذتها الحكومة السعودية من رفع الدعم بنسب معينة عن العديد من الخدمات، وإيقاف تنفيذ المشروعات الجديدة، أن يكون عجز الموازنة العامة محدودًا، وأن تؤدي زيادة الإيرادات إلى تقليص الدين العام وليس زيادته.

السؤال: أين ستوجه عوائد برنامج الخصخصة الذي تعتزم الحكومة تنفيذه؟ هل سيعاد ضخه في شرايين الإنفاق الجاري الحكومي، لتحقق الحكومة خسارتين، فقدان مؤسساتها العامة، وفقدان بعض مصادر الإيرادات.

وإذا كان القطاع الخاص سيحل محل الحكومة في الجانب الخدمي، وأن المواطن سيتحمل تكلفة ما يحصل عليه من خدمات سواء من الحكومة أو من القطاع الخاص، فلماذا تستدين الحكومة؟

ومن الدروس التي لم تتعلمها الدول الإسلامية من الأزمة المالية العالمية لعام 2008، أن الديون كآلية للتمويل والاتجار فيها عبر أسواق المال، ثبت فشلها اقتصاديًا، وكانت أحد الأسباب الرئيسة في تفاقم الأزمة وانهيار العديد من البنوك والمؤسسات المالية.

وكان حرياً بصانع السياسة المالية في المملكة أن يتبنى حزمة من آليات التمويل الإسلامية كالصكوك والمشاركة والمضاربة والإجارة، سواء لتمويل كيانات إنتاجية أو مشروعات بنية أساسية، وسواء أتى التمويل من الداخل أو الخارج، ففي هذه الحالة لن يكون عبئا على الموازنة العامة، ولن يساهم في زيادة الدين العام، ولكن العمل سيكون وفق قاعدة "الغنم بالغرم"، أو المبدأ المحاسبي "اقتسام الأرباح والخسائر".

وكان الأولى بوزارة المالية أن تعلن عن برنامجها لسداد الدين العام وليس مجرد إدارته وتبني رؤية للتوسع فيه، وتسويقه في سوق المال.

إن دولة مثل السعودية تحتل المرتبة الأولى في إنتاج النفط عالميًا حري بها أن تكون في مصاف الدول المصدرة لرؤوس الأموال، وليس الدخول في قوائم الدول المدينة.

فكما أنشأت المملكة "صندوق الدين" عليها أن تنشئ صندوقاً لإدارة ثروات البلاد، ليفصح عن رصيد الصناديق السيادية الخارجية وأرصدتها الحقيقية، وكذلك استهداف إدارة رشيدة لاحتياطيات النقد الأجنبي، والتي تُستنزف منذ نهاية 2014، بسبب أزمة انهيار أسعار النفط.

مخاطر الدين الخارجي

وعلى ما يبدو، فإن السعودية تُستدرج لأسواق الدين الخارجي بشكل ممنهج، حيث صدر أكثر من تقويم من مؤسسات التصنيف الائتماني، تشير إلى تراجع التصنيف الائتماني للسعودية، وهو ما يساعد على رفع تكلفة الاقتراض من الأسواق الدولية.

وبلا شك أن السعودية إذا استكملت خطتها المالية للتوسع في الاقتراض الخارجي، فإن ذلك سيدعوها إلى تبني سياسات مالية جبائية، تعمل من خلالها على فرض مزيد من الضرائب، وهو ما سيحمل المواطن مزيدا من الأعباء المعيشية، ويرفع بالتالي معدلات التضخم، ويساهم فرض المزيد من الضرائب في ارتفاع تكلفة الاستثمار، وتشويه مناخ الاستثمار، سواء للمستثمر المحلي أو الأجنبي.

وينتظر مع موازنة عام 2017 وما بعدها أن تشهد الموازنة السعودية بندًا جديدًا وهو أعباء خدمة الدين، المتمثل في الفوائد المدفوعة محليًا ودوليًا عن الدين العام. فضلًا عن الالتزام بأصل الدين.

وحسب توقعات صندوق النقد الدولي، فإن معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي سيكون بحدود 2% في 2017، وهو ما يعني أن الدين العام سيمثل نسبة أكبر مما كان عليه في 2014، والذي بلغت فيه نسبة الدين العام للناتج 1.6%.

وإذا ما تم احتساب قيمة الدين العام في أغسطس 2016 والمقدر بـ 73 مليار جنيه، كنسبة من قيمة الناتج المحلي بنهاية 2015، والمقدر بـ 646 مليار دولار، سنجد أن هذه النسبة تصل إلى 11.3%، أي أن هناك زيادة في نسبة الدين للناتج بين عامي 2014 و2016 تصل إلى نحو 10%.

ومع نهاية عام 2016، سنكون أمام أرقام جديدة للدين العام، تتسم بالزيادة عما هو مقدار في أغسطس 2014، بسبب التوجهات الخاصة بالسياسة المالية، والتي وجدت في زيادة الدين العام آلية للتمويل.

عبد الحافظ الصاوي- العربي الجديد-