علاقات » اميركي

«ستيفن كوك»: استراتيجية «ترامب» بالشرق الأوسط امتداد لتقاليد السياسة الأمريكية

في 2018/02/23

ستيفن كوك - فورين بوليسي- ترجمةشادي خليفة -

لقد أصبح من البديهي القول بأن الشرق الأوسط في حالة من الفوضى، وأن غياب أي استراتيجية من قبل إدارة «دونالد ترامب» قد تسبب في تعزيز موجة الموت والعنف والتدهور والفساد والتطرف والاستبداد التي ضربت المنطقة. ويبدو نهج «ترامب» في المنطقة للوهلة الأولى، مجرد حركات استعراضية شبيهة بالتي أظهرها في رحلته إلى الرياض مثل الرقص بالسيف، والالتفاف حول الكرة الأرضية المشعة، والكلام القوي من الرجل الذي يفتقر - بشكل خطير - لجوهر الحديث.

لكن عند إجراء تدقيق أوثق، تكشف رحلة وزير الخارجية «ريكس تيلرسون» الأخيرة إلى المنطقة عن خطة أساسية متماسكة. وعلى النقيض من السياسات التي أدت إلى زعزعة السياسة الداخلية، أو طرحت أسئلة في أوروبا وأمريكا الشمالية وآسيا حول التزامات الولايات المتحدة بالدفاع المتبادل والتجارة الحرة، وهي السمات المميزة لحقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية وما بعد الحرب الباردة، ظهرت بعض بوادر العقلانية على نهج إدارة «ترامب» في الشرق الأوسط. وهو في الواقع يعيد استراتيجية إقليمية حظيت منذ وقت طويل بدعم واسع من الحزبين، وكانت سابقا المعيار للرؤساء الأمريكيين، وليس فقط الرؤساء الجدد.

ويمكننا أن نرى هذه الاستراتيجية من خلال الجهد المتواصل من قبل «تيلرسون». ويبدو أن جولته، التى استمرت 5 أيام إلى 5 دول في الشرق الأوسط خلال الشهر الحالى، كانت إيجابية، وعززت نشاطه الخارجي الظاهر. وقد التقى «تيلرسون» في أول محطة له في مصر مع الرئيس «عبد الفتاح السيسي»، الذي أطاح مؤخرا بجميع منافسيه الرئيسيين في الانتخابات الرئاسية المقبلة، التي ستُجرى في 26 و 28 مارس/آذار. ومن القاهرة، توجه إلى العاصمة الكويتية لعقد اجتماع للتحالف المناهض لتنظيم الدولة الإسلامية؛ حيث كان على «تيلرسون» تذكير الأعضاء بالتركيز على محاربة المتطرفين، أكثر من مواجهة بعضهم البعض. كما حضر المؤتمر، الذي طال انتظاره، حول إعادة إعمار العراق.

وفي اليوم التالي، هبط في عمّان لإجراء محادثات مع العاهل الأردنى الملك «عبد الله الثاني» - الذي لا يزال غاضبا من اعتراف إدارة «ترامب» بالقدس عاصمة لـ(إسرائيل)، وهو ما اعتبره تقويضا له في الداخل. ثم كانت هناك محطة مختصرة في لبنان، وهي أول زيارة يقوم بها وزير خارجية أمريكي للبلاد منذ 4 أعوام، «لتأكيد الدعم الأمريكي للبنان في مواجهة مجموعة واسعة من التحديات». وأخيرا، كانت هناك زيارة يوم الجمعة الماضي إلى تركيا، حيث سافر «تيلرسون» محملا برسالة غاضبة حول الدعم الأمريكي لقوة كردية سورية تعتبرها أنقرة جزءا من منظمة إرهابية تستهدف الدم التركي منذ منتصف الثمانينات.

ومن خلال كل ضجيج الفشل الواضح لمؤتمر إعادة إعمار العراق، وتهديد الرئيس التركي «رجب طيب أردوغان» بإعطاء ضباط الجيش الأمريكي «صفعة عثمانية»، كانت الرسالة الأساسية لرحلة «تيلرسون» هي أن الولايات المتحدة مهتمة بإعادة تقييم الوضع في المنطقة. ويبدو أن هذا يبدو أشبه بالمقاربة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط في الثمانينات والتسعينات. ومما لا شك فيه، كان هناك عدد قليل من التحركات المربكة خلال العام الماضي، وآخرها قرار القدس، ولكن حتى ذلك يتناسب تماما مع نمط سابق من السياسات الأمريكية.

عناصر السياسة

إذن، ما هي هذه السياسات؟ هناك 3 مكونات أساسية، مكافحة الإرهاب، واحتواء إيران، ودعم (إسرائيل). وهذا هو السبب في أن اجتماعات «تيلرسون» في القاهرة مع «السيسي» ووزير الخارجية «سامح شكري» كانت الأسهل خلال الرحلة. وذلك لأن فريق «ترامب» ينعش سياسة دعم «أتباعنا»، طالما أنهم يتشاركون المصالح الأمريكية. وبطبيعة الحال - كما أكد مسؤول مجهول بوزارة الخارجية - لم يعبر «تيلرسون» عن «قلق» واشنطن تجاه السياسة القمعية في مصر، ولكن كانت اللقاءات مع «السيسي» و«شكري» في الغالب حول مكافحة الإرهاب والأمن، ووضع العلاقة بين الولايات المتحدة ومصر مرة أخرى على أساس استراتيجي كما كانت في الماضي. وفي الكويت، لم يقدم «تيلرسون» الكثير من أجل إعادة إعمار العراق، ويرى «ترامب» أن الولايات المتحدة قد قدمت نصيبها العادل وأكثر، بالنظر إلى أن سياسة الإدارة في العراق أصبحت حول احتواء القوة الإيرانية الآن، بعد أن كانت تستهدف تهديد تنظيم الدولة الإسلامية. وخصص «تيلرسون» الجزء الآخر من رحلته إلى الكويت للحديث عن مكافحة التطرف والإرهاب.

وفي عمّان، أثبت «تيلرسون» أنه بغض النظر عن غضب الحليف الاستراتيجي، فإن العلاقة الخاصة بين الولايات المتحدة و(إسرائيل) سيكون لها الأسبقية. ومن أجل تهدئة التوتر بين الولايات المتحدة والأردن حول القدس، قدم «تيلرسون» مذكرة تفاهم تعهدت بتقديم مساعدات إضافية للأردن. وكان الهدف من التوقف في لبنان إظهار دعم الدولة اللبنانية في الاستراتيجية الإقليمية للإدارة لاحتواء إيران. وقد يكون وزير الخارجية قد عقد الأمور من خلال الاعتراف بالمكانة المهمة لحزب الله في السياسة اللبنانية، ولكن الهدف العام كان تعزيز القوى المناهضة لإيران في البلاد. وأخيرا، في أنقرة، أثبت تيلرسون أنه حتى غضب حليف في الناتو لن يردع الولايات المتحدة عن خططها، وهو ما يفسر علاقة واشنطن بوحدات حماية الشعب الكردية السورية. ولقد كانت تلك الوحدات شريكا فعالا في محاربة تنظيم الدولة الإسلامية - حتى لو كانت مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، الذي يشن تمردا ضد تركيا منذ 3 عقود - وستكون جزءا من الوجود الأمريكي طويل الأمد في سوريا، لردع إيران واحتوائها.

ويذكرنا كل هذا بعام 1999 أو حتى عام 1989.وكان الرئيس الأمريكي «جورج بوش» قد تعهد بعدم التدخل في الخارج، ولكن صدمة الهجمات على نيويورك وواشنطن في سبتمبر/أيلول عام 2001 أنتجت جهودا لإعادة صياغة الشرق الأوسط، من خلال مزيج من القوة والإقناع. وكان الترويج للديمقراطية شيئا لم تكن الإدارات السابقة تهتم له كثيرا. وفي الآونة الأخيرة، اعتقد الرئيس «باراك أوباما» أن أفضل طريقة لتحقيق الاستقرار في المنطقة هي جلب إيران إليها،وكانت الخطوة الأولى هي الاتفاق النووي الإيراني الذي منح طهران حافزا للمغامرة. ولم يعمل أي من النهجين، لذلك فعل «ترامب» شيئا له كان متطرفا بالنسبة له؛ حيث استعاد استراتيجية أمريكية في الشرق الأوسط طالما فضلتها المؤسسات السابقة.

هو نهج يفتقر إلى الخيال، ولكنه أيضا مفهوم تماما، لأنه يمنح الولايات المتحدة الفرصة للحفاظ على الأساسيات في الشرق الأوسط، من خلال تأمين تدفق النفط، ومساعدة (إسرائيل)، واحتواء إيران، ومحاربة الإرهابيين. وإذا كان على واشنطن أن تعمل مع بعض الأشرار لمحاربة الأشرار الآخرين لضمان هذه المصالح، حسنا، فليكن ذلك. ويعكس نهج إدارة «ترامب» أيضا معرفة «تيلرسون» الجيدة السابقة كرئيس تنفيذي سابق لشركة إكسون موبيل بالشرق الأوسط. وبالنسبة لوزير الدفاع «جيمس ماتيس»، ومستشار الأمن القومي «ماكماستر»، فإنهما يتمهلان كثيرا قبل أن يخرجوا للقتال في حرب خاطئة، وقبل دفع الجيش الأمريكي لبناء البلاد، ومحاربة الإرهابيين، وردع الأعداء، والحكم بين الحلفاء في المنطقة.

وربما يعمل نهج ترامب، فالعالم قد تحول عدة مرات منذ أن استضاف الرئيس المصري «حسني مبارك» مؤتمرات مكافحة الإرهاب في شرم الشيخ. وقد بُنيت استراتيجية الماضي على فكرة الهيمنة الأمريكية في المنطقة. ولكن في حين لا تزال الولايات المتحدة قادرة على جلب قوة هائلة ضد مجموعة متنوعة من الخصوم الإقليميين، لم يعد حلفاؤها يولون اهتماما للمصالح الأمريكية. وقد مضت الأيام التي سعى فيها الإسرائيليون والسعوديون والإماراتيون والأتراك وغيرهم إلى الحصول على إذن من واشنطن باتباع سياسة أو النظر إلى البيت الأبيض لتوفير النظام والاستقرار. وهم الآن يأخذون الأمور على عاتقهم، الأمر الذي سيكون له عواقبه الخاصة على المنطقة، بغض النظر عن رغبات واشنطن. والواقع الوحشي يقول إنه بغض النظر عما تفعله واشنطن، فمن المرجح أن يظل الشرق الأوسط استبداديا وغير مستقر.