دول » دول مجلس التعاون

مستقبل الأمن المائي العربي.. كارثة يمكن تفاديها؟

في 2018/03/23

خالد سلامة- DW- عربية-

ازدهرت على مجاري أنهار المنطقة العربية أولى الحضارات كالسومرية والفرعونية على سبيل المثال لا الحصر. في "اليوم العالمي للمياه" تقفز إلى الذهن تساؤلات عن حقيقة "الفقر" المائي العربي. تُرى ما الأسباب وما هي الحلول الممكنة؟

عتباراً من عام 1993 وفي مثل هذا اليوم، الثاني والعشرين من آذار/مارس، من كل عام تنظم "لجنة الأمم المتحدة المعنية بالمواد المائية" وبالتعاون مع أطراف دولية فعالية "اليوم العالمي للمياه". وتهدف هذه الفعالية إلى "رفع الوعي بالأمور المتصلة بالمياه والدعوة إلى الإدارة المستدامة لموارد المياه ومناقشة التحديات المستقبلية".

صورة قاتمة

في عام 2015 قدم "معهد الموارد الدولي"، وهو مؤسسة بحثية مستقلة مقرها الرئيسي في واشنطن، صورة قاتمة عن الوضع المائي في العالم العربي. وفي تقرير المعهد، الذي تتركز نشاطاته في ستة مجالات، هي الغذاء والغابات والماء والطاقة والمدن والمناخ، تم تصنيف الدول الـ33 الأكثر تضررا في العالم من نقص الموارد المائية بحلول عام 2040.

وبحسب التقرير، جاءت البحرين وقطر والكويت في المراكز الثلاثة الأولى، بينما حلت السعودية وعُمان ولبنان في المراكز التاسع والعاشر والحادي عشر على التوالي. وجاء الأردن في المركز الرابع عشر وليبيا في المركز الخامس عشر واليمن في السادس عشر، فيما حلت سوريا في الترتيب الخامس والعشرين. أما دول المغرب والجزائر وتونس، فقد احتلت المراكز التاسع عشر، والثلاثين، والثالث والثلاثين على الترتيب.

"الفقر" و"العجز" المائيين

يشير الباحث بشؤون المياه في الشرق الأوسط والعالم العربي صاحب الربيعي في حديث خاص بـDW عربية، إلى ضرورة التفريق بين مفهومي "الفقر المائي" و"العجز المائي" قائلاً: "الأردن فقير مائياً، ولكن العراق غني بالموارد المائية إلا أنه عاجز مائياً". ويستشهد هنا بـ"خروج أكثر من مليون دونم في العراق عن الاستخدام بسبب سوء الإدارة المائية، ووصل الأمر إلى شح في مياه الشرب في بعض مناطق جنوب العراق".

وكانت وسائل إعلام تناقلت في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي تصريحاً منسوب لوزير البيئة الأردني ياسين الخياط كشف فيه أن بلاده "ثاني" أفقر بلد في العالم بالنسبة لحصة الفرد: "تراجعت الحصة الفردية في 2016 إلى 120 متر مكعب في السنة".

كما أرجعت عدة تقارير مناخية اندلاع الحرب السورية جزئياً إلى الجفاف وسوء إدارة الحكومة للمواد المائية. وفي 20 من الشهر الجاري كشف تقرير للبنك الدولي أن عدد المهاجرين لأسباب مناخية يمكن أن يصل إلى 143 مليون شخص بحلول العام 2050، في ثلاث مناطق من العالم، مدفوعين خصوصاً بانحسار الناتج الزراعي وارتفاع منسوب البحار والنقص في المياه.

تسييس قضايا المياه

إلى جانب سوء الإدارة المائية يشخص الباحث العراقي الأسباب الأخرى لمشكلة المياه في المنطقة العربية: "67 بالمائة من مياه الأنهار تنبع من خارج العالم العربي. وتقع المنطقة العربية في المناطق الجافة وشبه القاحلة من العالم. ولا ننسى هنا التغيرات المناخية". كما لفت النظر إلى "التزايد السكاني، وعدم وجود تعاون جيد مع المنظمات الدولية العاملة في هذا المجال، وغياب الاهتمام الرسمي واستغلال الفعاليات القليلة لغايات إعلامية، وأخيراً تسييس قضية المياه". ويخلص الباحث العراقي إلى أن المستقبل "خطير جداً".

ويخيم شبح أزمة سياسية قد تتطور إلى أزمة أكثر حدة بين مصر وإثيوبيا على خلفية بناء سد النهضة على نهر النيل. كما تشكل قضية المياه أحد أوجه الصراع الفلسطيني والعربي مع إسرائيل كتحويل إسرائيل مجرى نهر الأردن عام 1964 والخلاف المستمر حول أنهار اليرموك والليطاني. وتبقى قضية المياه نقطة استعصاء مركزية في مفاوضات السلطة الفلسطينية مع إسرائيل. كما لم تخلُ العلاقات التركية مع كل من سوريا والعراق، وكذلك العلاقات بين سوريا والعراق، من توترات على خلفية بناء سدود على نهري دجلة والفرات.

 

مشاريع لحماية المصادر المائية

نشرت الأمم المتحدة قبل أيام تقريرها لتنمية المياه، والذي جاء فيه أن 3.6 مليار إنسان أو نصف سكان العالم يعيشون في مناطق يمكن أن تصبح فيها المياه نادرة في شهر واحد على الأقل في السنة. وأضاف أن هذا العدد مرشح للارتفاع إلى 5.7 مليار بحلول 2050.

ورغم أن المعطيات والأرقام تعكس صورة سوداوية، تبدي الدكتورة السورية العاملة في "الوكالة الألمانية للتعاون الدولي" (GIZ) نعمى الشريف في حديث مع DW عربية "تفاؤلاً"، وتفسر: "هناك وعي بالمشكلة واتجاه متزايد لتطبيق التقنيات الجديدة في اقتصاديات المياه". وتشير كذلك الشريف إلى وجود مشاريع "كثيرة" في المنطقة العربية لحماية المصادر المائية وتكرير المياه الملوثة وإعادة استخدامها.

وتضيف أن الدول العربية "تتبادل" الخبرات فيما بينها ومع المنظمات الدولية كالإسكوا (لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا). وتعمل نعمة الشريف في الوقت الحاضر ضمن فريق "الوكالة الألمانية للتعاون الدولي-الأردن" على جر مياه من بئر الديسي لمسافة حوالي 350 كم إلى العاصمة الأردنية عمان.

هل من حلّ؟

يذهب الباحث صاحب الربيعي، الذي نشر أكثر من عشرين كتابا في هذا المجال، إلى وجوب "خلق" علاقات اقتصادية مع دول المنبع كتركيا بحيث لا تغامر تلك الدول بخسارة العلاقة والتلويح باستغلال ملف المياه. كما يعود ويؤكد على ضرورة "الإدارة المائية الحكيمة واستخدام الطرق الحديثة كالاستمطار والتقنيات الحديثة في الري والإنتاج الزراعي".

ومن جانبها، تركز نعمى الشريف الدكتورة في اقتصاديات المياه، والتي عملت في السابق أيضاً في شركات ألمانية لمعالجة مياه الصرف الصحي والصناعي، في طرحها للحلول على أولوية "الإدارة المتكاملة" للموارد المائية، "والإدارة اللامركزية" لمحطات معالجة الصرف الصحي.

كما تذكر هنا بـ"الحصاد المائي"، أي بمعنى تجميع المياه في مواسم الهطول في سدود وأحواض مائية. ولا يفوت الباحثة الإشارة إلى أن قدرة الكثير من الدول العربية على تحمل التكاليف المادية لمشاريع المياه كالتحلية وغيرها "ضعيفة" بسبب تردي الوضع الاقتصادي، وتستثني هنا "دول الخليج والسعودية".