علاقات » اسرائيلي

من حيفا للخليج.. الرياض وأبوظبي تحققان حلم "إسرائيل" بقطار للتطبيع

في 2019/07/08

متابعات-

كان في السابق حلماً تقف كل الظروف الإقليمية سداً أمام تحقيقه، لكنه اليوم أصبح واقعاً يبدو أن "إسرائيل" ستحتفل به قريباً، بعد أن نضجت علاقاتها مع دول عربية، ووصلت إلى مرحلة التحالفات "الاقتصادية والأمنية والاستراتيجية"، التي تجاوزت "التطبيع السياسي" بمسافات بعيدة.

ورفعت دولة الاحتلال الإسرائيلي الستار عن أهم مشاريع التطبيع الحديثة مع بعض من الدول العربية، ليبدأ قطارها بالسير على سكة العلاقات مع الدول "المعتدلة"، من محطته الأولى "تل أبيب" حتى يصل إلى العاصمة السعودية، مروراً بالإمارات، ليعلن عن حقبة جديدة من علاقات كانت محظورة سابقاً سيكون أكثر المتضررين منها القضية الفلسطينية.

وزير خارجية الاحتلال الإسرائيلي ووزير الاستخبارات، يسرائيل كاتس، طرح خلال زيارته مؤخراً إلى العاصمة الإماراتية أبوظبي، مبادرة لربط السعودية والخليج مروراً بالأردن بخط السكك الحديدية الإسرائيلية وصولاً إلى حيفا، وفق ما بينت صفحة "إسرائيل بالعربية" التابعة لخارجية الاحتلال.

وكشفت في تغريدة الأحد (7 يوليو الجاري)، أن المبادرة "تتمخض عن طرق تجارة إقليمية أقصر وأرخص وأكثر أماناً، من شأنها دعم اقتصادات الدول".

وكانت صحف عبرية نشرت، يوم الاثنين (1 يوليو الجاري)، صوراً للوزير كاتس من باحة أحد أكبر مساجد العالم، خلال زيارته أبوظبي نهاية شهر يونيو الماضي.

ويأتي هذا الإعلان عقب علاقات متسارعة بين "تل أبيب" والإمارات، وسط زيارات متبادلة، حققت قفزة كبيرة بينهما، وعقب بدء ظهور العلاقات السرية للعيان، وتمثلت آخر حلقاتها بدعمها ومشاركتها في ورشة البحرين الخاصة بالشطر الاقتصادي لـ"صفقة القرن".

قطار التطبيع

وسابقاً كان كاتس متفاخراً حين تحدث بكل صراحة عن المشروع الذي سيتم الكشف عنه في 2019، وكشف في أبريل 2018 عن مخطط لإنشاء خطة سكة حديدية تربط بين فلسطين المحتلة ودول الخليج مروراً بالأردن والسعودية، تحت اسم "مشروع سكة السلام الإقليمي"، في خطوة قد تبدو متوقعة لعملية تطبيع متسارعة بين دولة الاحتلال ومحيطها العربي، والذي يرتكز على الرياض.

ووفق الخريطة التي عرضها كاتس، فإنّ "سكة السلام الإقليمي" ستنطلق من مدينة حيفا إلى بيسان (داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 48)، لتمر عبر جسر الشيخ حسين الذي يربط بالأردن، ومن هناك إلى مدينة إربد شمالاً، ومن ثم إلى الدول الخليجية والسعودية.

سكة التطبيع

وكشف "كاتس" حينها النقاب عن أن هناك محادثات مهمة مع دول عربية بشأن مشروع السكة، مضيفاً أنه "متفائل جداً" من احتمالية الدفع بالمشروع.

وزعم أن المشروع سيُساهم في تقوية الأردن وتحويله إلى مركز مواصلات، إذ ستُمكن السكة ليس فقط من الوصول إلى موانئ حيفا، وإنما أيضاً إلى كل أنحاء الخليج، كما ستكون بمنزلة جسر بري لمواطني الدول العربية المذكورة، يسهل عليهم الوصول براً إلى ساحل البحر المتوسط، بحسب تعبيره.

ولفت حينها إلى أن مبعوث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الخاص إلى المنطقة، جيسون غرينبلات، أعجب جداً بالمشروع، ووعد بطرحه على ترامب تمهيداً لتنفيذه على أرض الواقع بعد أن كان حلماً.

محللون وخبراء في الشأن الإسرائيلي أكدوا سابقاً في أحاديث خاصة لـ"الخليج أونلاين"، أن السعودية ودولاً عربية أخرى مثل مصر والإمارات قد فتحت فعلياً صفحة علاقات جديدة مع دولة الاحتلال، وخط القطار سيكون بداية لعصر ذهبي جديد بين الطرفين.

وقال محمد مصلح، الخبير في الشأن الإسرائيلي: إن "السعودية قد نجحت في تحقيق حلم دولة الاحتلال بالقطار الذي سيكون عابراً للقارات ويخترق العواصم العربية "المعتدلة"، ليجتاز كل الحدود والعقبات الإقليمية التي كانت تجعل تحقق هذا الحلم صعب الحدوث".

"الدول العربية تجاوزت فعلياً مرحلة التطبيع وبدأت بمرحلة أكثر خطورة تتمثل بإنشاء تحالفات أمنية واستراتيجية واقتصادية مع "إسرائيل"، وهذا بالنسبة لدولة الاحتلال انتصار كبير قد تحقق في اختراق كل الدولة العربية برضا وقبول زعمائها"، وفق ما أضاف مصلح.

ولفت النظر إلى أن "خط سكة الحديد في حال تم افتتاحه فعلياً العام 2019 سيكون ضربة قوية وموجعة للقضية الفلسطينية، ويكشف كذلك زيف الدول العربية، وعلى رأسها السعودية، التي تتغنى بالقضية الفلسطينية وتتحدث عن الدعم وتقديم المساعدات للفلسطينيين".

ومنذ توليه منصب ولاية العهد، في يوليو 2017، رسم محمد بن سلمان صورة لمستقبل العلاقات الاقتصادية بين الرياض وتل أبيب، وقال: إن "إسرائيل تشكّل اقتصاداً كبيراً مقارنة بحجمها، كما أن اقتصادها متنامٍ".

وكان ممَّا أثار الكثير من ردود الفعل الغاضبة، ودل على أن التطبيع السعودي مع الاحتلال بدأ يأخذ شكلاً علنيّاً، التصريحات التي صدرت عن بن سلمان لمجلة "أتلانتيك" الأمريكية، والتي أعرب فيها عن "إيمانه بأن الفلسطينيين والإسرائيليين من حقهم أن تكون لهم أراضيهم الخاصة".

وأوضح الخبير في الشأن الإسرائيلي لـ"الخليج أونلاين" أن قطار التطبيع قد قطع مسافة كبيرة، ولا يمكن لدولة الاحتلال أن تعلن عن هذا المشروع الضخم والأول من نوعه إلا بعد حصولها على ضمانات عربية ودولية لتشغيله، وكذلك توفير مصادر تمويله من نفس الدول العربية التي وافقت عليه.

وأشار إلى أن "إسرائيل" لم تبق عدواً للكثير من الدول العربية وعلى رأسها السعودية، بل باتت حليفاً هاماً في المنطقة، وهي ضمن مخطط "الشرق الأوسط" الجديد، الذي تكشفت ملامحه في "صفقة القرن" التي تعتمد على تهميش القضية الفلسطينية بعيداً عن حل الدولتين واللاجئين، وتوطيد العلاقات العربية والخليجية بـ"إسرائيل".

ضربة للقضية

وذكر أن "السكة الحديدية" التي يتم الحديث عنها هي جسر سياسي واقتصادي بين الدول العربية ودولة الاحتلال، وصورة من التطبيع العلني في المنطقة، متوقعاً أن يكون "القطار" مجرد بداية لمراحل أقوى في اللقاءات والعلاقات والمشاريع والاقتصادية والأمنية والاستراتيجية أكثر تأثيراً، وقد تغير وجه المنطقة بأكملها.

ويشار إلى أن "الخليج أونلاين" كان قد انفرد، في 9 مارس 2018، بالكشف عن تفاصيل لقاءات سرية هي الأولى من نوعها جرت بين السعودية و"إسرائيل" في العاصمة المصرية القاهرة، مطلع مارس، وأثارت ردود أفعال فلسطينية وعربية ودولية وإسرائيلية كبيرة.

وعن خطورة مشروع "القطار" على أرض الواقع، قال الكاتب والمحلل السياسي خالد صادق: "هذا المشروع طرحته "إسرائيل" مراراً أثناء محادثات السلام والمفاوضات السرية والعلنية مع الدول العربية، وقد تزايدت فرص تحقيقه مع وصول ترامب للحكم وطرحه لما يسمى بصفقة القرن، التي تستند بشكل أساسي على التمكين لـ"إسرائيل" وجعلها الطرف المتحكم الرئيس في سياسات دول الشرق الأوسط واقتصادها وأمنها".

وفي تصريحات خاصة لـ"الخليج أونلاين" أضاف صادق: "كما تزايدت فرص تحقيق هذا المشروع مع حالة التناغم السياسي بين السعودية والبحرين والإمارات من جهة و"إسرائيل" من جهة أخرى، حيث التقت المصالح وتشابكت الأهداف بينهم، واقتربت فرص التطبيع وإقامة العلاقات المباشرة بينهم برعاية إدارة ترامب التي تسعي لفك عزلة "إسرائيل" في المنطقة".

وتابع حديثه: "السعودية اتخذت خطوات واضحة لإزالة العقبات أمام تنفيذ مشاريع مشتركة مع دولة الاحتلال، من خلال التقارب بينهما في الخطاب السياسي ضد إيران، والزيارات السرية المتبادلة، والتخلي عن دعم القضية الفلسطينية، والتلويح بإعادة طرح المبادرة العربية بعد إجراء تعديلات عليها ترضي "إسرائيل"".

إنجاز هذا المشروع، بحسب صادق، يعني أن "إسرائيل" استطاعت التغلغل إلى العمق العربي وفك عزلتها، وتحقيق نوع من الأمان الاقتصادي لنفسها والاستقرار لشعبها، ويعني أنها قامت بالالتفاف على الحقوق الفلسطينية والتنكر لها وإنهاء القضية الفلسطينية بالطريقة التي ترضي "إسرائيل"، وتشجيع الهجرة اليهودية إليها من كل دول العالم، وتشجيع الدول على إقامة علاقات معها على اعتبار أنها دولة الأمر الواقع.

وأضاف: "التطبيع السياسي والاقتصادي بدأ يأخذ شكلاً علنياً بين "إسرائيل" والعديد من الدول العربية وتحديداً الخليجية، فالحديث يدور عن لقاءات سياسية وتوافق حول قضايا تخص الشرق الأوسط، ومشاريع اقتصادية مشتركة تم الحديث عنها، وهناك بالفعل مكاتب تجارية تعمل في دول خليجية مع الاحتلال بالتبادل".

وحذر المحلل السياسي من خطورة تنفيذ هذا المشروع فلسطينياً وعربياً، مؤكداً أن دولة الاحتلال نجحت في فك عزلتها وتمكنت من اختراق الجدار العربي الذي يستند إليه الفلسطينيون لدعم قضيتهم، ومشروع "القطار" سيدر على دولة الاحتلال أرباحاً هائلة تمكنها من السيطرة في المنطقة والتحكم بخيراتها ومصادر دخلها، ويدخلها باب التعايش الطبيعي مع العرب على حساب حقوق القضية الفلسطينية.

وجدير بالذكر أن العلاقات الإسرائيلية مع السعودية والبحرين والإمارات باتت تتسارع بشكل كبير، ومؤخراً عقد مؤتمر بالعاصمة المنامة وشهده مسؤولون وصحفيون إسرائيليون وبمشاركة من هذه الدول. 

"ورشة البحرين" كانت بمنزلة تطبيع صريح من قِبل دول لها ثقلها بالمنطقة العربية، ما شكَّل صدمة مدوية في الأوساط السياسية وكان منبع قوة لموقف "إسرائيل"، التي تسعى جاهدة بمساعدات عربية وغربية لبسط نفوذها بفلسطين، وسرقة حقوق الفلسطينيين.

وحاولت الإمارات والسعودية الترويج للمؤتمر الذي كشف الجانب الاقتصادي من "صفقة القرن" وللعلاقة مع "إسرائيل" عن طريق مسؤولين أو ناشطين صغار، لتجاوُز الإعلان الرسمي عن الانفتاح مع دولة الاحتلال، في حين اختارت البحرين الوضوح أكثر وفضح تودُّدها إلى تل أبيب.