ملفات » الطريف إلى العرش

المملكة المنبوذة.. هل تستطيع السعودية إصلاح صورتها بعد أربع سنوات من العزلة؟

في 2019/12/16

سانام فاكيل - فورين أفيرز-

في الأول من ديسمبر/ كانون الأول، تولت المملكة العربية السعودية رسمياً رئاسة مجموعة العشرين. وعادة ما تكون مهمة قيادة المنتدى الاقتصادي الرفيع المستوى، التي يتم التناوب عليها سنويًا بين الدول الأعضاء، مسألة ذات طبيعة شكلية أكثر من كونها جوهرية. لكن بالنسبة للمملكة العربية السعودية، العضو العربي الوحيد في المجموعة، فإن المخاطر تبدو كبيرة.

وتتولى الرياض زمام الأمور في وقت يشوبه الكثير من عدم اليقين. وحققت المملكة العربية السعودية تعافيا ملحوظا في أعقاب سلسلة من الأزمات المحلية والدولية، من التدخل العسكري المدمر في اليمن إلى حصار قطر إلى مقتل الصحفي السعودي "جمال خاشقجي" عام 2018. وعانت سمعة وشرعية الزعيم الفعلي للبلاد، ولي العهد الأمير "محمد بن سلمان"، نتيجة لذلك، كما تباطأ الاستثمار الأجنبي، الذي يحتاجه السعوديون لإصلاح اقتصادهم المعتمد على النفط.

في ظل هذه الأجواء، تسعى المملكة بقوة لإصلاح صورتها وتصحيح مسارها بحلول الوقت الذي يجتمع فيه زعماء العالم في الرياض لحضور قمة العشرين السنوية في نوفمبر/ تشرين الثاني من العام المقبل. وتبدو علامات التحول المقبل للمملكة واضحة بالفعل، فلأول مرة منذ سنوات، تبدو الرياض منفتحة على إمكانية التوصل إلى تسوية سلمية في اليمن والمصالحة مع قطر، وهما خطوتان من المقرر أن تعيدا تشكيل المشهد السياسي للخليج بشكل كبير. ورغم أن أيا من الصراعين لن يتم حله بشكل سريع - تتطلب أي تسوية دائمة وقتا والتزاما طويل الأجل للنجاح - فإن تحركات الرياض التصالحية تبشر بالخير بالنسبة للمنطقة.

خطوة للأمام.. خطوتين للوراء

تعد السنة المقبلة مهمة بشكل خاص لـ"بن سلمان"، فمنذ صعود والده إلى العرش في يناير/ كانون الثاني 2015 وتعيينه رسميًا في منصب ولي العهد في يونيو/ حزيران 2017، عزز "بن سلمان" السلطة في يديه حيث قام بتهميش خصومه المحتملين في العائلة المالكة، واستبدلهم تدريجيا لصالح مجموعة من الوزراء والفنيين التكنوقراط من الشباب الموالين له. وفي أواخر عام 2017، أمر "بن سلمان" باحتجاز العديد من رجال الأعمال البارزين في البلاد في فندق ريتز كارلتون في الرياض في تحرك أرسل موجات من الصدمة عبر مجتمع الأعمال السعودي. وفي الوقت نفسه، ركز "بن سلمان" سلطة صنع القرار في لجنتين مركزيتين للشؤون السياسية والاقتصادية.

من بين أمور أخرى، استخدم "بن سلمان" سلطته الجديدة لمتابعة خطة طموحة لفصل البلاد عن اعتمادها على البترودولارات والحد من البطالة. ويهدف هذا المشروع، المعروف باسم رؤية 2030، إلى تعزيز قطاع خاص أكثر حيوية يتمحور حول السياحة والوظائف عالية المهارات. وأدى البيع الأخير لحصة تبلغ نسبتها 1.5 في المائة في شركة النفط الحكومية أرامكو إلى مستثمرين من القطاع الخاص إلى وضع هذه الخطة موضع التنفيذ، حيث سيتم تحويل الأموال إلى صندوق الاستثمار العام بالمملكة، والذي سيستخدم الأموال لتعزيز الاقتصاد المحلي.

ويصور "بن سلمان" نفسه على أنه بطل للشباب في بلد يقل فيه سن معظم المواطنين عن 30 عامًا. وقد دشن ولي العهد سلسلة من سياسات التحرير الاجتماعي التي طال انتظارها للمرأة مثل الحق في قيادة السيارات والسفر والعمل دون موافقة ولي الأمر. وسمحت اللوائح المخففة للصناعات الترفيهية المحلية بالظهور في الرياض وجدة لأول مرة، حيث لم تكن الحفلات الموسيقية والفعاليات الرياضية شائعة في أي وقت سابق. وكانت النتيجةهي حدوث تحول اجتماعي يمكن رؤيته والشعور به بسهولة في المراكز الحضرية في جميع أنحاء المملكة. ورغم ذلك، واجهت التغييرات معارضة قليلة من رجال الدين الأقوياء والمحافظين المعروفين، الذين تم تقليص نفوذهم من خلال العديد من عمليات الاعتقال البارزة ومن خلال مرسوم قانوني حد من تأثير السياسة الدينية في البلاد.

لكن هذه التطورات الإيجابية جاءت متزامنة مع عدد من التحركات القمعية المثيرة للجدل من جانب "بن سلمان". وتحت سيطرته، توسعت الدولة في اعتقال النقاد ونشطاء حقوق الإنسان. وقبل أن ترفع الرياض حظر قيادة النساء في مايو/ أيار 2018، تم احتجاز العديد من الناشطات في مجال حقوق المرأة، بما في ذلك "لجين الهذلول"، و"عزيزة اليوسف"، و"إيمان النفجان"، و"هاتون الفاسي" (اتهم المدعون السعوديون فيما بعد الناشطات بتهديد الأمن القومي عبر التآمر مع دولة معادية، يُفترض على نطاق واسع أنها قطر. وعندما طالبت كندا بالإفراج عنهم، خفضت المملكة من علاقاتها الدبلوماسية مع أوتاوا). وإذا لم يكن هذا دليلاً كافيا على أن الرياض لم تغير طرقها الاستبدادية، فقد كان قتل "جمال خاشقجي" وتقطيعه في القنصلية السعودية في إسطنبول في أكتوبر/ تشرين الأول 2018 دليلا أكثر من كاف.

بخلاف ذلك، أدت سلسلة من أخطاء السياسة الخارجية إلى الإضرار بالمكانة الدولية للمملكة. ولم يؤدِ الاعتقال المحرج والاستقالة القسرية لرئيس الوزراء اللبناني "سعد الحريري" فخلال رحلة إلى المملكة العربية السعودية في أواخر عام 2017، إلى نتائج عكسية فقط (تراجع الحريري عن استقالته في وقت لاحق بعد تدخلات دولية للإفراج عنه)؛ بل كشفت عن حدود قدرة المملكة على تشكيل السياسة الداخلية في بلاد الشام. وأثارت الكارثة الإنسانية الناجمة عن التدخل العسكري بقيادة السعودية في اليمن إدانة عالمية، وكذلك الحصار المستمر منذ عامين على قطر بقيادة السعوديين جنبًا إلى جنب مع الإمارات. وكانت انتقادات الكونغرس الأمريكي، على وجه الخصوص، حادة بشكل غير عادي، حيث شكك العديد من المشرعين الأمريكيين في سياسات وقيادة "بن سلمان".

آثار مدمرة

كان للضرر الذي لحق بالسمعة آثار اقتصادية غير مباشرة على المستثمرين. وبينما ارتفع الاستثمار الأجنبي المباشر في المملكة العربية السعودية من 1.4 مليار دولار في عام 2017 إلى 3.2 مليار دولار في عام 2018، إلا أن هذا الرقم أقل بكثير من ذروته التي بلغت 3.9 مليار دولار في عام 2008، وفقًا لتقرير الاستثمار العالمي الصادر عن الأمم المتحدة. وتكلف أسعار النفط المنخفضة، إلى جانب التكلفة الباهظة للحرب في اليمن، المملكة ما يقدر بنحو 5 إلى 6 مليارات دولار شهريًا، وكذلك فإن الهجوم المحرج الذي رعته إيران على منشآت النفط السعودية في سبتمبر/ أيلول 2019 كشف الضعف في صناعة النفط وبالتالي أدى لانخفاض قيمة قائمة أرامكو.

واليوم، تبدو السعودية حريصة على تجنب المزيد من الأخطاء، خاصة في الخارج. ففي اليمن، بدأت المملكة تبحث عن مخرج، بعد أن أدركت أن تدخلها، الذي كان يهدف في الأصل إلى احتواء الحوثيين الذين ترعاهم إيران، قد عزز فقط اعتماد المتمردين على طهران. وفي نوفمبر/ تشرين الثاني، ساعد السعوديون في التوصل إلى اتفاق لوقف الاقتتال بين الفصائل المتناحرة المناهضة للحوثيين، وهو نقطة انطلاق محتملة لاتفاقية سلام أوسع لإنهاء الصراع. وتجري الرياض أيضًا محادثات مباشرة مع الحوثيين، ففي نوفمبر/ تشرين الثاني، سافر "خالد بن سلمان"، نائب وزير الدفاع السعودي وشقيق ولي العهد إلى عُمان، التي عملت منذ فترة طويلة كقناة خلفية للتفاوض مع الحوثيين. ويشير كل هذا إلى أن الرياض جادة في إيجاد مخرج للنزاع، شريطة أن تنهي اعتماد الحوثيين على إيران.

وبالمثل، فإن ذوبان الجليد مع قطر لم يعد مستبعدا. وفي يوليو/ تموز 2017، قطعت المملكة العربية السعودية، إلى جانب البحرين ومصر والإمارات واليمن، فجأة العلاقات الدبلوماسية مع قطر، وأصرت على ضرورة قيام الدوحة بقطع علاقاتها مع إيران، وإغلاق قناة الجزيرة، من بين عدة مطالب أخرى. ومع ذلك، أثبت الحصار أنه فشل آخر في للسياسة الخارجية السعودية. وبعد عامين ونصف، يبدو أن قطر نجت من الأزمة ولم تقدم أي تنازلات بعد. وفي الوقت نفسه، أدى الخلاف إلى كسر مجلس التعاون الخليجي، وهو المنظمة السياسية والاقتصادية لدول الخليج العربية التي تم إنشاؤها عام 1981 كحصن ضد إيران. وفي هذه القضية، تصدر الرياض أصواتًا توفيقية مؤخرًا. وتبدو النتيجة على المدى المتوسط هي اتفاق بين دول مجلس التعاون الخليجي على عدم التدخل في الشؤون الداخلية لبعضهم البعض، على غرار ما اتفق عليه المجلس في عام 2014 وسط نزاع مماثل بين قطر وجيرانها.

ورغم ذلك، لا يوجد اتفاق واحد يمكن أن يوفر حلاً سريعًا للتوترات في المنطقة. وفي اليمن ما بعد الحرب، من المحتمل أن تحتاج السعودية إلى الحفاظ على السلام بين الجماعات السياسية والقبلية التي لا تعد ولا تحصى والاستثمار بكثافة في جهود إعادة الإعمار من أجل الحد من صعود الجماعات المسلحة مثل القاعدة والدولة الإسلامية، التي اكتسبت بالفعل موطئ قدم في البلاد. وبالمثل، فإن تدابير الوقت وبناء الثقة هي وحدها التي ستعيد جسور التواصل بين قطر والمملكة العربية السعودية والإمارات.

ولكن على الجبهة الداخلية، هناك القليل جدا مما يدعو للتفاؤل. وكما أظهرت موجة الاعتقالات الأخيرة للصحفيين والمثقفين، فإن قمع الرياض للمعارضة الداخلية مستمر بلا هوادة. وفي حين تدعو رؤية 2030 إلى المزيد من الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية، فإن التحرير السياسي لا يبدو مدرجا على أجندتها.

ومع ذلك، توفر رئاسة مجموعة العشرين لـ"بن سلمان" فرصة لإعادة التموضع بعيدًا عن قرارات السياسة المتهورة في السنوات الماضية. ومن خلال استخدام مجموعة العشرين كمنتدى لمناقشة التغير المناخي وبطالة الشباب، وهما قضيتان حيويتان في الشرق الأوسط، قد تتمكن المملكة من إعادة تقديم نفسها بما يكفي لتحسين صورتها الدولية، وقد تؤدي السياسة الخارجية الأكثر حكمة إلى استعادة ثقة المستثمرين وجلب القليل من الاستقرار إلى المنطقة.