خاص الموقع

نيوم.. مدينة أفلاطون الفاضلة؟!

في 2022/09/09

(فؤاد السحيباني\ راصد الخليج)

ظلّ خيال إقامة المدينة الفاضلة يحوز على اهتمام الفلاسفة والمفكّرين منذ استقرار المجتمعات البشرية، في مرحلة ما بعد اكتشاف الزراعة، منذ كَهنة الفراعنة الذين جعلوا من الحياة الآخرة عالمَهُم المَنشود وغايتَهم، ووضعوا شروطًا وقواعد لمَن أراد الوصول إلى فردوسهم، بشكل يضمن لهم السيطرة والنّفوذ في عالمهم الحقيقي، وصولًا إلى فلاسفة الإغريق القدامى.

ويعود الفَضل في توصيف ووضع أوّل بِنية معروفة للمدينة الفاضلة إلى الفيلسوف اليوناني القديم "أفلاطون"، ويُحقّق فيها حلم إقامة مجتمع مثالي "طوباوي"، يوفّر أسباب السّعادة وكلّ وسائل الراحة لمواطنيه، وهو نوع من التّفكير الحالم في إقامة مجتمع العدل والكفاية، عبر تصوّر شكل عجائبي للحياة البشرية والعلاقات الإنسانيّة، وبالطّبع تقوم الطبيعة بدورها الخادم لتطلّعات الفيلسوف، عبر أنهار عذبة جارية لا تتوقّف، وأشجار تتجدّد ثمارها كلّما قطفت، وشباب دائم يُخاصم الشيخوخة.

وبخلاف الإغريقي أفلاطون، حاول الفيلسوف المُسلم أبو نصر محمد الفارابي استنساخ الفكرة الأصليّة لأفلاطون في كتابه "آراء أهل المدينة الفاضلة ومضاداتها"، والذي جاء متأثّرًا بالفكرة الأساسية –أو الحلم الأساسي- للفيلسوف اليوناني، مع اختلاف طفيف يعكس الثّقافة والإيمان الإسلامي، لكنّه انطلق أيضًا من كون الإنسان كائن اجتماعي بالأصل، ثمّ إنّه مضطر إلى التّعاون مع غيره لتحقيق غاياته وسدّ احتياجاته، في مجتمع يسوده نوع من التّكافل والعدالة، وبالتّالي ضمان إقامة واستمرار المدينة الفاضلة.

وبعد قرون طويلة جدًا من أفلاطون والفارابي، حاول فلاسفة عصر النّهضة الأوروبي تحقيق الحلم الإنساني النّبيل، ببناء مدينتهم الأوروبيّة التي تشعّ بنور التقدّم والحداثة والعدل على كامل القارّة الأوروبيّة، ويخاصم فيها الناس الحروب والصّراعات، وتتحوّل طاقاتهم إلى الإبداع وصناعة الجمال، وتقدّم نوعًا من مشاعيّة الثّروات والاحتياجات البشرية الأساسية، عبر ضمان توزيع عادل للموارد على كلّ سكّان مدينة الحلم، إلّا أنّ عصر النّهضة الأوروبي، والذي قام أصلًا على نَهب ونَزح ثروات العالم الجديد قام وانتهى دون أن تعرف المدينة طريقًا من الكتب واللّوحات إلى أرض الواقع.

وفي مقابل أماني الفلاسفة، فإنّ التاريخ يُخبرنا عن أحلام قادة كبار، تحقّقت على أرض الواقع، لم تكُن تبحث عن مدينة فاضلة، لكنّها يمّمت وجهٌها صوب مدينة أفضل، والفارق بين الأمنية والحلم هو أنّ الأمنية سباحة خالصة في فضاء خالٍ إلّا من الأوهام، قد يمتلك الأجنحة للارتفاع وقتَما أراد ومهما طمع، لكنّها لا تتمتّع بالأقدام التي تسندها على أرض الواقع المعاش، بينما الحلم ينطلق من الواقع، ويفهمه، ويسعى لتغيير ما به من خلل وجبر ما يعترضه من نقص.

وعلى سبيل المثال، لا الحصر، نجح الملك المصري القديم أحمس عقب حملته الحربيّة الناجحة لطرد الهكسوس، في تأسيس عاصمة جديدة لمصر القديمة في مدينته طيبة –الأقصر حاليًا- بجنوب مصر بدلًا من عاصمة الدولة القديمة في منف –بمحافظة الجيزة حاليًا- والتي تتوسّط الإقليم المصري، ورفع المعابد والمسلّات الشّاهقة، التي تنافس الأهرامات الضْخمة، تراث أجداده في العاصمة القديمة، ونقل الحضارة القديمة كلّها إلى عصر جديد، تميّز بالطّابع الإمبراطوري والغزوات العسكريّة الكبيرة.

وعلى النّهج ذاته، تخلّص الإمبراطور الرّوماني قسطنطين من صداع الصراع بين الوثنيين والمسيحيين، بنقل عاصمة الإمبراطوريّة الرومانيّة من روما إلى القسطنطينيّة، المدينة التي سرعان ما أصبحت أهم مدينة في العالم القديم، وملتقى طرق التّجارة والبحر الذي استوعب كلّ ما حقّقه الرّومان من فتوح وغزوات على العالم، وأهم المدن وأقدسها في العالم المسيحي الشرقي، منذ إنشائها في العام 335 ميلاديًا، كما أنّ قربها من أغنى مناطق الإمبراطورية أتاح لها توفير تكاليف البناء والعمال المهر من حوض البحر الأبيض وغرب آسيا بسهولة.

وبسبب ذكاء اختيار موقعها، بعيدًا عن هجمات القبائل القوطيّة والونداليّة والجرمانيّة التي أرهقت روما لقرون، وأدّت في النهاية إلى سقوطها في عام  476، إذ استمرّت القسطنطينيّة في ممارسة دورها كواحدة من أهم مدن العالم وعاصمة للإمبراطورية الرومانيّة الشرقيّة ألف عام تقريبًا بعد هذا التاريخ، إلى حين سقوطها أمام العثمانيين في 1453.

وبين أماني الفلاسفة وأحلام القادة، تقف مدينة نيوم الافتراضية وحدها بعيدة عن كلّ تصنيف ممكن، مهما اجتهد العقل في ذلك، فلا هي مدينة تمثّل الهروب بشجاعة إلى الأمام نحو مستقبل مرسوم، ولا هي تمثّل ارتدادًا إلى حقيقة موجودة كانت من قبلها، لكنّها أصبحت فجأة واقعًا مفروضًا على الجميع أن يعيشوا فيه أو يتعايشوا مع وجوده.

وهذه هي لبّ المشكلة وأصل القضيّة، في المملكة، وفي العالم العربي، وعلى امتداد العالم الثّالث كلّه، إنّ المشروع الذي يلحّ على ذهن الزّعيم يجد نفسه وفورًا أولوية وطنية أولى، وتخلق له مصادر التّمويل على شكل استقطاع من كلْ أبواب المصروفات الضرورية الأخرى، وبهذا يحمل كلّ مشروع فردي مشابه بذرّة فشله الأساسية، إذ أنّه مرهون ببقاء صاحب فكرته، وقبلها ضمان استقراره على كرسي السلطة.

غابت الشّفافيّة عن مشروع نيوم منذ البداية، وحتى اللّحظة، وفي أبسط ما يُمكن متابعته، مثل تكلفة المشروع الكلية، التي أعلن في البَداية ووفقًا لدراسات مؤسّسات غربية مرموقة إنّها 500 مليار دولار، ثمّ خرج الأمير محمد بن سلمان ولي العهد ورئيس مجلس إدارة المدينة ومفجّر فكرتها، بتصريح قبل أيام عن طرح أسهم المشروع بقيمة 266 مليار دولار أميركي/ 1 تريليون ريال في سوق الأسهم السعودية بعد عام ونصف في 2024، في حين من المقرّر أن يتجاوز المشروع كله 5 تريليونات ريال سعودي!.

ولي العهد أكّد في تصريحاته أيضًا أنّ تكلفة المرحلة الأولى من مشروع نيوم، وحدها، ستبلغ 1.2 تريليون ريال، أي 319.39 مليار دولار أميركي، والتي تشمل إقامة المدينة الجديدة "ذا لاين"، وتعدّ طبقًا للعرض الذي قدّمه الأمير أولى المدن الذكية متعدّدة الطّبقات في العالم.

ورغم كفاءة العرض المقدَّم، والصوٌر البرّاقة ذات الألوان الزاهية التي سيطرت على الشاشات خلال كلمة الأمير، والأرقام الضّخمة التي يعشقها المستثمرون والمتابعون الغربيون، إلّا أنّ الحقيقة لا تزال قائمة وتصرخ في قصة نيوم منذ البَداية وإلى اليوم، وهي أنّ المدينة أبعد ما يكون عن مراكز الثّقل في المملكة، لا هي في الوسط تجمع مثل الرّياض، ولا هي في الغرب حيث أقدس مقدّسات الإسلام والمسلمين، ولا هي في المنطقة الشرقية حيث أنابيب الثروة المتدفّقة، ثمّ إنّ موقعها على خليج العقبة معزول وبعيد، لا يعرف عنه العالم شيئًا، وهو قريب إلى حدّ خطر مع عدو دائم وقائم.

وفي كلّ الأحلام البشريّة المتعلّقة بتأسيس المدينة الحلم "الفاضلة"، كان الشّرطان الضّروريان لها، سواء عند الإغريق أو العرب أو مثقّفي عصر النّهضة، هما ضمان الموارد الكبيرة الضرورية لبناء المدينة، ثمّ حسن اختيار مواطنيها، الذين يستحقّون صفة المواطنة في المدينة الفاضلة، ليصنعا الفارق مع غيرها من المجتمعات البشرية قديمها وحديثها، فهل تملك نيوم قاعدة سكانيّة قائمة بذاتها من الأصل.

إنّ المحصّلة النهائيّة لانتشار فكرة المدينة الفاضلة، في كلّ الحضارات البشريّة بغضّ النّظر عن تاريخها أو ظروفها، هي قرع أجراس التّنبيه إلى وجود مشكلات اجتماعية حادّة في الواقع المعاش، مثل سوء توزيع الثروة أو تركّز السّلطة وأزمات الحكم الفردي، ثمّ دور الفلاسفة في وضع قواعد الحلّ المُتاح لتلك المشاكل كما يرونها ويحسّون بها، والفيلسوف في هذا كلّه ينطلق من الحساسية الفائقة والدقّة الملازمتين لدوره ووظيفته، وبالتّالي فإنّه حتّى إن أخطأ في تصوّر الحلّ النّهائي للقضية، فإنّه يقوم بدوره الحيوي في التّنبيه واستكمال رسم الواقع عبر معرفة حقيقية به، وبالتالي توفير الشرط الأول لتطوير الواقع عبر المعرفة به.

الأزمة أنّنا لا زلنا لا نعرف توصيف الأزمة، وبدلًا من استغلال طفرة أسعار البترول الحالية وفوائضه الماضية في تأسيس مدن صناعيّة كبرى، وإتاحة الفرصة لاستجلاب المعدّات والفنيين المَهَرة لاستكمال حلم التّصنيع، اخترنا أوهام التنمية بالشّكل والطّريقة الغربيّة، والتي تغذّيها البنوك ومؤسّسات السيطرة الماليّة العالميّة بتقارير خداعة، ولجأنا في ليل حالك إلى الاستغراق في مشروعات الدّخان كحل لمواجهة مشكلاتنا، لننتظر الإفاقة على أسوأ واقع ممكن، وسياط نزيف الخسائر المُرعبة تستنزف الاستقلال الوطني والكرامة والدّم.