خاص الموقع

السعودية وخيارات الاستقرار في عالم متفجّر

في 2022/09/20

(مبارك الفقيه\ راصد الخليج)

العالم يشتعل أو يقارب الإشتعال، وأي شرارة خاطئة تقع في أي مكان من نواحي الأرض ستُشعل فتائل انفجارات متلاحقة لا يعلم نتائجها إلّا الله، فمن الحرب الروسية – الأوكرانية التي بدأت تأخذ منحى التّهديد بالسّلاح النّووي بعد سبعة أشهر مستمرّة من القتال العنيف، والتّصعيد السياسي والعسكري المتجدّد بين الصين وتايوان، إلى التّبادل الناري بين أرمينيا وأذربيجان وكذلك بين قرغيزستان وطاجيكستان، وصولاً إلى نذر المواجهة الرّهيبة بين لبنان وإسرائيل على خلفية استخراج النّفط والغاز من البحر المتوسط .. كلّها قنابل موقوتة تعمل الولايات المتّحدة الأميركيّة على إذكاء نارها بشكلٍ مباشر أو غير مباشر، وتجرّ معها أوروبا العاجزة إلى أتون النار، وذيلها بين قدميها لا تلوي على شيء سوى الانصياع لمشروع إعادة أمريكا إلى عظمتها.. حتى ولو على أطلال العالم.

تقدّر تقارير الخبراء أنّ ارتفاع أسعار النّفط بشكلٍ غير مسبوق على مدى عقدين سابقين من الزّمن، أدّى إلى ارتفاع معدّلات التضخّم والإنكماش الاقتصادي العالمي، وتحديداً في أوروبا والولايات المتّحدة الأمريكيّة، وفي المقابل أفادت الأزمة دول الخليج بالخروج من الرّكود باتّجاه تسارع النمو الاقتصادي، وتحقيق فوائض كبيرة في الموازنات السنوية لهذه الدول، ومن المرجّح أن يتضاعف هذا النمو لاعتماد أوروبا على موارد الطاقة من الغاز والنّفط في الأشهر الستّة المقبلة في حال إقرار سياسة الاستغناء الكلّي عن الغاز الروسي.
لا شكّ في أنّ اتّخاذ الرّياض قرار الوقوف على سفح التلّ والتّموضع شبه الحيادي في لعبة عضّ الأصابع الروسية – الأمريكية، انعكس إيجاباً حتّى الآن على تدفّق مئات المليارات إلى الخزينة الوطنية بفعل حاجة السوق العالمية، والأوروبية على وجه الخصوص، إلى موارد الطّاقة الخليجيّة؛ ولكن للعملة وجه آخر يتمثّل بالنّقص في إمدادات الغذاء والمواد الأوّلية التي تحتاجها دول المنطقة، ولئن انعكس الصراع بين الشرق والغرب إيجاباً على اقتصاديات السّوق النّفطي للخليج، إلّا أنّه بدأ ينعكس سلباً على الإستقرار الإجتماعي ويهدّد التوازن المعيشي لدول الخليج، وفي مقدّمتها المملكة السعودية.

قد تؤدي أزمة الطّاقة إلى ملء خزان الأموال، ولكن التضخّم وفقدان موارد الغذاء في حالة الحرب تجعل من حالة الرّخاء المالي غير ذي فائدة، ويتحوّل الاهتمام إلى معالجة قضايا أكثر خطورة كالفقر والبطالة وغياب العدالة الاجتماعية وانتشار العنف والجريمة بالتّزامن مع انهيار الرّعاية الصحيّة، فضلاً عن ازدياد منسوب الفساد المالي والسياسي الناتج عن غياب آليات القانون والمحاسبة، وبدأت هذه الملفّات تفرض نفسها بقوّة على بساط البحث والمعالجات في أوروبا، وكذلك في الدول الخليجيّة التي تعتمد في وارداتها الغذائية على الخارج بنسبة كبيرة.

لعلّ الأمن الغذائي، في سياق الصّراع على البقاء وتأمين ديمومة العيش، بات القضية الأخطر التي سيواجهها العالم، فنحن كدول عربية نتمتّع بالغنى والوفرة في مصادر الطاقة، ولكنّنا لا نملك نظاماً مستقراً في سياق توفير الأمن الغذائي وارتفاع كلفة المعيشة، وفي ما يخصّ المملكة، فعلى الرّغم من التّفاؤل الذي يسود غالبية المواطنين حول استقرار الوضع الاقتصادي، إلّا أنّ استطلاعات الرأي الحديثة في الداخل السعودي أظهرت أن هذه الغالبيّة بدأت تستشعر الخطر من إمكانية البقاء على هذا التفاؤل في ما يخصّ الواقع المعيشي، حيث أعرب هؤلاء عن معاناتهم من ارتفاع الأسعار بنسبة كبيرة، ولا سيّما في مجال الأطعمة والمشروبات، والنّقل، والخدمات كالكهرباء والماء، ومصاريف السفر، ومستلزمات السكن، والرّعاية الصحيّة، والاتصالات.

من المنطقي ألّا تكون منطقة الشرق الأوسط بمنأى عن التأثيرات المدمّرة للصراع ما بين قوى الشرق والغرب، فهي تقع في وسط ساحة المواجهة، ولعلّ ما يضع المنطقة في هذه النقطة مبادرة رئيس الدولة الأقوى في اقتصاديات العالم جو بايدن إلى الخضوع أخيراً ولقاء ولي العهد محمد بن سلمان بعد إنكار واستهتار، فهو قد أقرّ بحاجة واشنطن للمملكة في ظلّ الصراع المصيري المحموم للعالم المتعدّد الأقطاب، وهذا ما يرتّب على المملكة مسؤولية محورية كبيرة حاولت حتّى الآن التملّص منها بعدم وضع كلّ أوراقها في السلّة الأمريكية، ولكن الرياض ستجد نفسها مدفوعة لاتّخاذ قرار جذري مع استمرار واشنطن في تسعير الضغط على روسيا والصين وإشعال بؤر التوتّر في العالم، والعمل بشكلٍ أساسي على منع تدرّج الأزمة الاجتماعية – المعيشية في المملكة، حيث لا ينفع نفط ولا غاز ولا أموال من يخزّنون.

لا يخفى على عاقل بأنّ العالم مع المشروع الذي يطلق عليه (MAGA)"إعادة أمريكا عظيمة مجدداً"  يتّجه يوماً بعد يوم للانقسام العمودي وتكريس معادلة تعدّد الأقطاب، ولا تلوح في الأفق أي بادرة للحلّ مع غرق أوروبا أكثر فأكثر في مستنقع الفوضى، فمعكسر الغرب الأمريكي – الأوروبي ماضٍ في التصلّب بالمواقف في ظلّ تأليب مباشر ووقح للدول الحليفة باتّجاه الإنضمام الحربي إلى هذا المعسكر، وفي المقابل نجح معسكر الشرق الروسي – الصيني في بناء منظومة طاقوية – غذائيّة هائلة، خصوصاً بعد انضمام الهند وإيران، بما يضمن قدرة التفوّق لهذا المعسكر، ويكفل لشعوب دوله البقاء والاستمرار دون أي تأثيرات سلبية في حال تدحرج الأمور خارج السيطرة، ومن هنا لا بدّ للأخ الأكبر السعودي من أن يُقدم على مبادرة سريعة تحافظ فيها الرّياض على ديمومة الاستقرار الداخلي، ليس فقط للمواطنين السعوديين، بل لمنقطة الخليج برمّتها، في بيئة تترقّب الانفجار، وهي على فوّهة بركان لن تقتصر حِمَمه على الشّرق والغرب والشمال، بل قد يأتي لهب نيرانه حارقاً من الجنوب وسط تصاعد نذر الحرب اللبنانية – الإسرائيلية على ضفاف البحر المتوسط.