اقتصاد » مياه وطاقة

هل تستخدم السعودية وروسيا النفط "سلاحاً" ضد البيت الأبيض؟

في 2023/06/13

متابعات- 

عندما كان وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن يتحضّر لزيارته المجدولة إلى السعودية، مطلع شهر يونيو الجاري، سعياً لترميم علاقة بلاده المتوترة مع الرياض، جاءه خبر إعلان الرياض ومنظمة "أوبك+" خفضاً إضافياً لإنتاج النفط حتى نهاية العام 2024، وهو الأكبر منذ الانخفاض الكبير خلال ذروة جائحة كورونا، قبل نحو عامين.

وبلينكن هو ثاني مسؤول أمريكي كبير يزور السعودية، خلال أقل من شهر، بعد زيارة مستشار الأمن القومي للبيت الأبيض جيك سوليفان، في السابع من مايو الماضي، في وقت لا تمر فيه العلاقات بين الرياض وواشنطن بأفضل حالاتها منذ أن تولت إدارة الرئيس جو بايدن السلطة، مطلع العام 2021.

وتوترت العلاقات بين البلدين بسبب تصريحات سابقة لبايدن هاجم فيها المملكة، إضافة إلى خلافات حول قضايا دولية، بينها العلاقة مع إيران والصين وروسيا، وكذلك الخلافات بشأن أسعار النفط، حيث تريد الرياض تثبيته عند سعر 80 دولاراً للبرميل.

لكن إعلان الخفض الأخير أثار ردة فعل أمريكية أقل حدة من قرارات سابقة مماثلة، ليطرح تساؤلات حول مدى التوتر الذي وصلت إليه العلاقات بين البلدين، وسط تأكيد الشراكة في ملفات مختلفة، في مقابل علاقة تزداد قوة بين الرياض وموسكو.

وأعلن تحالف "أوبك+"، في 4 يونيو 2023، تمديد خفض إنتاج النفط من ديسمبر 2023 وحتى نهاية 2024، فيما قررت السعودية زيادة الخفض الطوعي لها بمقدار مليون برميل يومياً، بدءاً من يوليو المقبل، في محاولة للسيطرة على أسعار النفط كخطوة احترازية لمواجهة مخاوف الركود الاقتصادي.

رد فعل أمريكي بارد

رغم معارضة واشنطن لسياسة خفض الإنتاج، التي تتسبب غالباً برفع أسعار النفط أو تثبيتها، فإن ردة الفعل الأخيرة للإدارة الأمريكية على القرار الجديد كانت أقل حِدة من تلك التي اتخذتها عند القرارات السابقة التي أعلنها تحالف "أوبك+" لخفض الإنتاج، التي جاءت قبل انتخابات التجديد النصفي، في أكتوبر الماضي، ما دفع بايدن إلى توعد السعودية "بعواقب"، واتهامها بالانحياز لموسكو.

كما تجدد الخلاف بينهما في أبريل الماضي حول سوق النفط، وأبلغت إدارة بايدن المسؤولين السعوديين بعدم موافقتها على قرار أوبك المفاجئ بخفض الإنتاج، بحسب ما قاله حينها المتحدث باسم مجلس الأمن القومي الأمريكي، جون كيربي.

ويرى مراقبون أن ردة الفعل الأمريكية الباردة جاءت بسبب النتائج العكسية للخفض السابق، والذي لم ينجح في رفع أسعار النفط إلى ما فوق 80 دولاراً للبرميل.

وقال مسؤول أمريكي تعليقاً على قرار "أوبك+": إن "إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن تركز على أسعار النفط، وليس على البراميل الموجودة في السوق"، حسب ما نقلت وكالة "رويترز".

وتراجعت أسعار النفط عما كانت عليه قبل أكثر من عام، حين ارتفع سعر البرميل الواحد إلى نحو 130 دولاراً، في مارس من العام الماضي 2022، بينما يتراوح سعر البرميل حالياً بين 70 و75 دولاراً.

يرى الباحث الاقتصادي المتخصص في شؤون الطاقة عامر الشوبكي أن "الضغوط الأمريكية تتناقص نتيجة النتائج العكسية لتخفيضات أوبك+، ولا سيما، أن كل الخطوات لم تفلح في رفع أسعار النفط، ونرى الأسعار تنخفض خلال الشهور الخمسة الأولى من العام الحالي".

وأضاف الشوبكي لـ"الخليج أونلاين" أن "هناك خشية من أن عدم تحقيق نتائج من الخفض الطوعي لرفع أسعار النفط فوق سعر 81 دولاراً للبرميل، وهو ما تحتاج إليه السعودية لسد عجز الموازنة في السنة الحالية".

كما أشار إلى "أن خطة (أوبك+) لتخفيض الإنتاج تمتد حتى نهاية 2024، أي حتى نهاية الفترة الأولى الانتخابية للرئيس الأمريكي جو بايدن والحزب الديمقراطي، وذلك يعني المحافظة على أسعار وقود مرتفعة للمواطن الأمريكي طوال فترة حكمه، إذا ما نجحت خطة الخفض في دعم أسعار النفط".

استمرار التوتر

كانت قوى غربية قد انتقدت قرارات تحالف "أوبك+" لخفض إنتاج النفط، وترى أن هناك شراكة سعودية مع روسيا، خاصة بعد غزو موسكو لأوكرانيا، في فبراير 2022، لكن الرياض ودولاً أخرى في التحالف تقول: إن "المنظمة ليست مسيسة، ولا تسعى إلا إلى استقرار أسواق الطاقة".

وبينما كان بلينكن مجتمعاً مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، يوم (7 يونيو 2023)، تحدث ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان هاتفياً مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وأشادا بالتعاون بين البلدين في إطار "أوبك+".

وقال بيان للكرملين: إن الزعيمين "ناقشا مسألة ضمان الاستقرار في أسواق الطاقة العالمية بالتفصيل"، كما أشادا "بالتعاون المشترك، مما سمح باتخاذ خطوات فعالة، وفي الوقت المناسب؛ لضمان التوازن بين العرض والطلب على النفط".

في هذا السياق يشير الشوبكي إلى أن "الخفض الطوعي الإضافي للسعودية يدل على أن العلاقات مع واشنطن ما زالت على غير ما يرام"، موضحاً "أنها خطوة إضافية قد يُفهم منها أنها لدعم أسعار النفط، ومن ثم دعم روسيا في حربها على أوكرانيا، وزيادة الكلفة على المستهلك الأمريكي، خاصة أنها حركة عكسية لجهود المجلس الفيدرالي لكبح معدلات التضخم".

هل تحالفت روسيا والسعودية؟

في وجه الانتقادات الغربية للسعودية بشأن قرار خفض إنتاج النفط، دافع المتحدث باسم الكرملين ديميتري بيسكوف، يوم (9 يونيو 2023)، عن المملكة وقال: إنها "دولة ذات سيادة يمكنها اتخاذ قراراتها بنفسها، ولا تحتاج إلى محاضرات أو مواعظ من الولايات المتحدة".

وإلى جانب مؤشرات ارتفاع التنسيق السعودي الروسي في مجال النفط جاء تصريح وزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان في مقابلة مع قناة "سي إن بي سي" الأمريكية بأن بلاده "تثق بتعاملها مع روسيا في نطاق إنتاج النفط"، مشيراً إلى أن "الثقة جاءت بعد التحقق منها".

لكن التقارب السعودي الروسي في هذا الملف قد لا يعني تحالفاً ضد الولايات المتحدة، لكنه "تعاون مشترك بين البلدين بشأن موضوع سعر النفط فقط"، بحسب الباحث الاقتصادي الشوبكي.

كما يشير في هذا السياق إلى أنه "ربما تطرأ خلافات بين الجانبين بسبب ذهاب النفط الروسي إلى أسواق كانت تستورد من دول الخليج، بينها الهند والصين، وتقديم روسيا تخفيضات كبيرة في أسعارها لمواجهة العقوبات الغربية عليها".

وأضاف في حديثه لـ"الخليج أونلاين" أن "السعودية تحمّلت نحو نصف التخفيض الحقيقي، إذ سينخفض إنتاجها ابتداءً من يوليو المقبل إلى نحو 9 ملايين برميل يومياً بعد أن كان 11 مليوناً، من إجمالي كمية الخفض للدول الأعضاء في تحالف (أوبك+)، البالغة أكثر من 4 ملايين ونصف المليون برميل يومياً".