سياسة وأمن » تصريحات

3 قرون على تأسيس دولتها الأولى.. ما موقع السعودية اليوم؟

في 2024/02/23

سلمى حداد - الخليج أونلاين- 

تحتفل السعودية، في 22 فبراير، بيوم تأسيس المملكة، في رحلة بدأت قبل نحو 3 قرون ولا تزال متواصلة، نجحت خلالها بالوصول إلى مكانة مرموقة تحولت فيها إلى دولة محورية إقليمياً ودولياً.

وفي رحلة البناء الطويلة هذه استطاعت السعودية أن تحجز لها مقعداً بين الدول المركزية سياسياً، خاصة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وتحولت إلى أحد أهم مكونات الاقتصاد العالمي.

وكانت السنوات القليلة الماضية اعتباراً من العام 2016، علامة فارقة في تاريخ السعودية السياسي والاقتصادي، حيث تسارع تطورها بشكل كبير، خاصة مع بدء تحولها اقتصادياً بعيداً عن الاعتماد على مبيعات النفط الخام.

وبالتزامن مع احتفالات المملكة بذكرى يوم التأسيس، رصد "الخليج أونلاين" المؤشرات السياسية والاقتصادية التي تدلل على المكانة التي وصلت إليها السعودية بعد نحو 3 قرون على تأسيس دولتها الأولى في عهد الإمام محمد بن سعود، في منتصف عام 1139هـ الموافق لشهر فبراير من عام 1727م.

مكانة سياسية مرموقة

يرجع تاريخ حكم الأسرة السعودية إلى محمد بن سعود (1687-1765م)، الذي تولى حكم الدرعية عام 1727م، ما جعله في نظر المؤرخين مؤسس أسرة آل سعود والدولة السعودية الأولى.

وفي عام 1744م، اجتمع الأمير محمد بن سعود مع الشيخ محمد بن عبد الوهاب على اتفاق بنشر الدعوة في بقية أرجاء الجزيرة العربية.

وقد أدت مناصرة محمد بن سعود للدعوة إلى تغيير في لقبه من حاكم سياسي (الأمير) إلى ولي أمر شرعي (الإمام).

ومنح هذا التحول الإمارة السعودية الناشئة شرعية دينية مكنتها من بسط حكمها على مناطق نفوذ القبائل المجاورة.

وانتهت حكاية الدولة السعودية الأولى مع غزو قوات إبراهيم باشا -الذي فوضته الإمبراطورية العثمانية- الدرعية، في عام 1818م.

وبعد ست سنوات على سقوط الدرعية، أعاد تركي بن عبد الله الحكم السعودي لوسط الجزيرة العربية، وأنشأ الدولة السعودية الثانية التي عُرفت بإمارة نجد، في عام 1824م.

وسيطرت إمارة نجد على جزء كبير من شبه الجزيرة العربية، ولم يضعفها غير النزاعات داخل الأسرة الحاكمة التي تزامنت مع التوسع التدريجي لحكم آل رشيد -المنافس الإقليمي للحكم السعودي- حتى تمكن آل رشيد من الاستيلاء على الرياض، عام 1891م.

ولم تطل سيطرة آل رشيد على الرياض لأكثر من عقد من الزمان، ففي يناير 1902، استرد عبد العزيز، نجل عبد الرحمن بن فيصل آل سعود، آخر أمير لإمارة نجد، الرياض بعملية سُمّيت بـ"فتح الرياض".

وشكلت هذه العملية البذرة التأسيسية للدولة السعودية الثالثة، التي سميت في عام 1932 "المملكة العربية السعودية".

وعلى مدار العقود اللاحقة، حظيت السعودية بمكانة مرموقة سياسياً بين الدول العربية وبلدان المنطقة والعالم، خاصة بعد اكتشاف النفط الذي حولها إلى لاعب رئيسي بقطاع الطاقة العالمي باعتبارها أكبر مصدري النفط في العالم.

ونجحت المملكة بتأسيس العلاقات الدبلوماسية مع أكثر من 190 دولة حول العالم، وتملك عضوية في عديد من المنظمات الدولية؛ مثل الأمم المتحدة، ومجلس الأمن الدولي، ومنظمة التجارة العالمية.

وساهمت أيضاً بتأسيس عديد من المنظمات الإقليمية والعربية؛ مثل مجلس التعاون الخليجي، وجامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي.

وعلى مدار تاريخها كانت السعودية داعماً رئيسياً للقضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني، وشاركت بالتحالف الدولي ضد الإرهاب في مناطق سوريا والعراق، وما زالت تقدم  المساعدات الإنسانية للدول المنكوبة.

على الصعيد الداخلي، أصدرت المملكة نظام الحكم الأساسي لها عام 1992، وأسست مجلس الشورى عام 1993، وأصدرت قانون الانتخابات البلدية في 2005، وقانون مشاركة المرأة بالانتخابات في 2015.

ولكن التغيير الأكبر في تاريخ السعودية الحديث كان منذ أن أصبح الأمير محمد بن سلمان ولياً للعهد، في عام 2017، حيث تبنى شكلاً جديداً للهوية الوطنية يمكن تسميته "السعودية الجديدة".

ومنذ تبني هذا الشكل الجديد للمملكة وإطلاق رؤيتها للعام 2030، بدأت توسع علاقاتها السياسية مع أقطاب العالم الأخرى مثل روسيا والصين ودول جنوب شرق آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، وهو ما كسر قاعدة التحالف مع الغرب التي ظلت قائمة سنوات طويلة.

وحول إنجازات المملكة الاستراتيجية، يقول شامي الظاهري، الخبير الاستراتيجي السعودي: إن "توحيد المملكة تم بطريقة واقعية ومتدرجة، وبأسلوب عبقري لينصهر أبناء هذه الجزيرة العربية في كيان واحد، ويعيش أبناؤها إخوة أحباء، بغض النظر عن خلفياتهم القبلية والمناطقية والمذهبية، ولتكون هذه الوحدة الوطنية الراسخة، قاعدة صلبة للتقدم والتطور".

وأضاف الظاهري في تصريحات صحفية سابقة: "خلال قرابة 30 عاماً (1902 ـ 1932) تمكن الملك عبد العزيز بفكره الاستراتيجي الثاقب، وإدراكه للتماثل الجغرافي والبشري للجزيرة العربية، من توحيد الجزيرة العربية لبنة بعد الأخرى، مستثمراً جغرافية هذه البلاد، وطاقة الصبر ودهاء الانتظار، حتى اكتمل بناء هذه الدولة الفتية وتأكد من سلامة البنيان".

وتابع: "رعى هذه الوحدة الوطنية بعد ذلك أبناء الملك عبد العزيز، فتمسكوا بالثوابت والمبادئ التي وضعها موحد هذا الوطن، وأبدعوا في التعامل مع المتغيرات والتحديات والظواهر السياسية والاجتماعية والعسكرية والاقتصادية المحلية والدولية المتغيرة، التي تفرضها المستجدات العالمية الآنية".

قفزات اقتصادية

وعلى الصعيد الاقتصادي، شكل اكتشاف النفط عام 1938 نقلة نوعية في اقتصاد المملكة ودورها في الاقتصاد العالمي عموماً، حتى أصبحت ضمن أكبر 20 اقتصاداً عالمياً.

وضمن سلسلة التطور الاقتصادي أسست المملكة شركة "أرامكو" عام 1938، والبنك المركزي السعودي عام 1952، ثم صندوق الاستثمارات العامة عام 1971، وانضمت إلى منظمة التجارة العالمية عام 2005، قبل أن تطلق في 2016 رؤيتها 2030 للتحول الاقتصادي وترك الاعتماد على النفط.

وقال الخبير الاقتصادي منير سيف الدين: إن "المملكة نجحت في صناعة اقتصاد قوي استندت عليه في جميع التحديات والحروب التي واجهها العالم على مدار عقود طويلة مضت".

وأضاف سيف الدين في حديثه لـ"الخليج أونلاين": "كان الناتج المحلي للمملكة في العام 1970 يبلغ نحو 5 مليارات دولار، لكنه حالياً تجاوز التريليون دولار بكثير في عام 2022، ولهذا هو ضمن أكبر 20 اقتصاداً بالعالم".

وأشار إلى أن المملكة نجحت في استثمار عائدات النفط لتنمية هذا الاقتصاد، وفي ظل هواجس تراجع دور النفط في قطاع الطاقة مستقبلاً فإن المملكة اتجهت بقوة نحو تنويع اقتصادها ليعتمد على الصناعة والسياحة والتعدين والاستثمارات المختلفة.

ولفت إلى أن المملكة نجحت ضمن رؤيتها 2030 في إحداث تحولات جوهرية على واقعها الاقتصادي والاستثماري والتجاري؛ من خلال تحسين بيئة الأعمال، وفتح الأسواق المالية للأجانب، وطرح أسهم بعض شركاتها الحكومية العملاقة مثل "أرامكو".

وأوضح الخبير الاقتصادي أن المملكة بدأت تطور قطاع الصناعة بشكل واعد، وعملت على تنمية السياحة، إضافة إلى عملها الجاد في تطوير قطاع الطاقة النظيفة وإنتاج الهيدروجين الأخضر .

وعلى صعيد آخر فقد عملت المملكة على تطوير بنية تحتية وشبكة اتصالات عملاقة كانت أحد أهم الحوافز لجذب الاستثمارات الأجنبية، علاوة على الخدمات الصحية المتميزة التي تقدمها.

وفي رؤيته للتطور الاقتصادي الذي حققته المملكة منذ تأسيسها، يقول الكاتب المتخصص في الشأن الاقتصادي علاء المنشاوي: إن "السعودية استطاعت أن تحجز لها مكاناً بين الاقتصادات الكبرى والصاعدة، وهذا ما تؤكده إحصائيات المؤسسات الدولية، وترتيب المملكة بين الدول في كثير من المؤشرات".

وذكر في مقال نشره على موقع "العربية نت"، في فبراير الماضي، أن المملكة نجحت من خلال رؤية 2030 في تطوير البنية التحتية والتعليم والصحة والتصدير والطاقة المتجددة وصناعة السيارات الكهربائية والصناعات غير النفطية، وصولاً إلى السياحة والترفيه، وغيرها كثير.

وفي رصد لأحدث الإنجازات الاقتصادية السعودية منذ إطلاق رؤية 2030 في العام 2016، يظهر أن الناتج المحلي الإجمالي للسعودية بالأسعار الجارية تجاوز التريليون دولار لأول مرة، حيث بلغ بالأسعار الجارية 4.2 تريليونات ريال في عام 2022. 

كما ارتفاع حجم الأصول تحت إدارة صندوق الاستثمارات العامة إلى ما يقارب 4 أضعاف؛ من 570 مليار ريال (151.98 مليار دولار) بنهاية عام 2015، إلى نحو 2.2 تريليون ريال (600 مليار دولار) في نهاية 2022، وقاربت أصول صندوق الاستثمارات العامة خلال العام 2023 الـ2.64 تريليون ريال، بما يعادل نحو 780 مليار دولار.

وأسست المملكة مشاريع كبرى؛ مثل: نيوم، والقدية، ومشروع البحر الأحمر، وشركة روشن، والدرعية، وشركة طيران الرياض وغيرها، إضافة إلى تأسيسها عديد من الشركات بقطاعات مختلفة من أبرزها الترفيه، والسياحة، والصناعات العسكرية، والطاقة المتجددة وإعادة التمويل.

وطرحت جزءاً من شركة "أرامكو السعودية" للاكتتاب العام، وتم في 2019 الاكتتاب على 1.5% من أسهم الشركة محلياً بنجاح، وأدرجت في أكبر إدراج بتاريخ السوق السعودي وفي التاريخ عالمياً. 

وارتفعت نسبة تملك المواطنين للمساكن خلال 4 سنوات من 47% في 2016 إلى 60% في عام 2020، متجاوزة المستهدف لرؤية 2030 بنسبة 8%.

وأنشأت المملكة بالتعاون مع روسيا مجموعة "أوبك+" لمنتجي البترول، التي توصّلت في عام 2020 إلى إنجازٍ تاريخي تمثل في تحقيق أكبر خفضٍ في الإنتاج عرفته السوق البترولية، ما أسهم في إعادة الاستقرار والتوازن إلى الأسواق العالمية، ومواجهة آثار جائحة "كورونا" على الاقتصاد العالمي.

وقامت حكومة المملكة بحملة لمكافحة الفساد، حيث تجاوز مجموع متحصلات تسويات مكافحة الفساد حتى نهاية العام 2020 الـ247 مليار ريال (65.86 مليار دولار)، تمثل 20% من إجمالي الإيرادات غير النفطية.