ثقافة » تربية وتعليم

استراتيجية محاربة الإرهاب

في 2015/06/10

عبدالله عبدالكريم السعدون - الرياض


تفاجأ الأب حين دخلت مفردة (الكفر) إلى بيته، فقد عاد الطفل ذو التسع سنوات من المدرسة ليفاجئ والده بسؤال مؤلم نتائجه كبيرة بمساحة وطن، سأل الطفل والده: هل صحيح أن أتباع ذلك المذهب كفار؟ استغرب الوالد وقال: من قال لك ذلك؟ أجاب الابن: المعلم أخبرنا اليوم. جلس الأب مع ابنه وقال له: بل هم مسلمون ولو كانوا كفاراً لما شهدوا أنه لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ولما حجوا إلى مكة المكرمة وزاروا المدينة المنورة، وفي اليوم الثاني ذهب الأب إلى المدرسة وطلب مقابلة المعلم ليقول له أمام مدير المدرسة: لقد أسأت إلى الوطن ووحدته، ألا تدري أن هؤلاء الأطفال أمانة في عنقك وأنك المؤتمن على أهم مقدرات الوطن وأمنه وتقدمه وازدهاره، غداً سيعمل ابني مع زميل له من مذهب مختلف سيعتبر أتباعه كفاراً فكيف تريده أن يتصرف معهم، أتدري أن ما تقوله قد يكون مقدمة لتجنيده مع فئة باغية تفجر الأجساد تقرباً إلى الله، طأطأ المعلم رأسه وأعلن أسفه وخرج، أخذت أتساءل: ماذا لو لم يعلم الأب بذلك، أو لو أن الأب أيد ما قاله المعلم عندها سيصبح التكفير ثابتاً لا محالة.

لوزارة الداخلية جهود كبيرة في تحقيق الأمن، لكن القضاء على الإرهاب بحاجة إلى جهود جميع الجهات التي لها علاقة بالشباب لتجفيف منابعه سواء في البيت أو المدرسة أو المسجد أو في حلقات التحفيظ أو الإعلام

ابتلي العالم منذ القدم بوجود خلافات كثيرة أدت إلى حروب وكوارث ليس بين الدول والمذاهب المختلفة فقط، لكن داخل المذهب الواحد، وفي العصر الحديث أصبح كل مذهب يستدعي تلك المعارك والخلافات لتصبح وقود منظمات إرهابية تستقطب الشباب وتجندهم ليصبحوا أحزمة ناسفة لقتل المواطنين الآمنين ورجال الأمن خدمة لأغراضها الخبيثة وتنفيذ مخططات دول حاقدة إما انتقاماً من الدولة أو زرع الفوضى وجرها إلى حروب أهلية.

وفي كل دول العالم يوجد تعصب أعمى ضد المذاهب والأديان والأعراق، لكن الدول التي عانت منه تسعى لوأده ومحاسبة المتسبب في ذلك، وتعد المدارس من أهم وأنجح الوسائل لوأد الطائفية في بداياتها..

يقول زين العابدين أبو الكلام العالم المسلم الهندي الذي يعد الأب الروحي لبرنامج الصواريخ في الهند والذي أصبح رئيساً للهند تقديراً لجهوده العلمية، يقول: حين كنت طالباً في المرحلة الابتدائية جلست في مقدمة الفصل بجانب طالب هندوسي يلبس كل منا لباسه الذي يدل على دينه، وجاء معلم هندوسي حضر إلى فصلنا لأول مرة فلم يعجبه أن يرى طالباً مسلماً يجلس بجانب طالب من الهندوس وأمر كلا منا أن يغير مكانه في الفصل، وذهب كل منا إلى بيته حزيناً وأبلغ كل منا والده ليحضرا في اليوم التالي للمدرسة ويتحدثا مع المدير الذي أحضر المعلم المعني وأبلغه أن يعيد الطالبين إلى مكانهما السابق بجانب بعضهما، وألا يتحدث بعد اليوم عما يفرق الطلبة وإلا لن يكون له مكان في هذه المدرسة، ولم يرتدع المعلم فقط لكنه أصبح واحداً من أفضل المعلمين وأكثرهم تسامحاً وقبولاً للآخر.

وفي سنغافورة أصبحت المدارس هي البوتقة التي تعلم الحب والتسامح للطلبة من جميع الأعراق، وقد طلب رئيس وزرائها (لي كوان يو) أن يجلس الطلبة في حلقة حوار حول طاولة مستديرة لتعميق أدب الحوار وإزالة الفوارق بين الأعراق والأديان المختلفة.

المكان الثاني الذي يجب أن يكون منبراً لمحاربة التطرف والغلو والتكفير هو منبر "مسجد الجمعة"، الذي يؤدي واجباً عظيماً ينتظره كل مسلم، هذا المنبر يجب أن يكون منبر محبة وسلام وتقريب وجهات نظر، في ماليزيا قام رئيس الوزراء عبدالله بدوي الذي خلف الدكتور مهاتير محمد بسجن أحد أئمة المساجد المقربين منه، لأن ذلك الخطيب دعا على مذهب مختلف أثناء خطبة الجمعة. محاربة الغلو والتكفير في المساجد بحاجة إلى جهود وزارة الشؤون الإسلامية ومراجعة الكثير مما في التراث وتنقيحه.

لقد أتاحت تقنية الاتصالات انتشاراً هائلاً للأفكار والآراء أصبحت معها مواقع التواصل من أهم مصادر المعلومات وبث الإشاعات والتحريض ما يحتم مراقبتها حتى لا تكون مصدر كره وعداوة بين أبناء الشعب الواحد، وهذا يتطلب الحزم والمحاسبة لكل من يستخدمها لتهديد أمن الوطن واستقراره ببث الأفكار والآراء والفتاوى التي تؤدي إلى الفرقة بين أبنائه بسبب مذاهبهم أو مناطقهم أو غيرها.

لا يمكن أن يحارَب الإرهاب بالمواجهة الأمنية وحدها، فهو مثل الحشائش الضارة تنمو وسط حقول القمح ولا يمكن التخلص منها بحصادها لأنها تنمو أسرع من سنابل القمح، لذا لابد من دراسة علمية تكشف عن جذور الإرهاب ومسبباته ثم علاجه، إن أفضل من يحارب جذور الإرهاب هم المفكرون والمعلمون والمعلمات، وهذا يتطلب وجود معلمين يؤمنون بخطره على المجتمع ووحدته، كما أن علينا أن ننقح المناهج من كل ما قد يستخدم ضد الآخر إقصاء أو تكفيراً وخاصة سوء تفسير الولاء والبراء فقد يستغل من خلال المنهج الخفي الذي يمارسه بعض المعلمين والمعلمات في المدارس وفي حلقات التحفيظ.

الشيء الثالث المهم هو العودة إلى كتب التراث وتنقيحها من كل ما يدعو إلى التكفير والإقصاء، وتأسيسها على حسن التعامل لبناء جيل يستطيع التعايش مع الآخرين في دولة مدنية، جيل قادر على قبول التعدد ومعرفة أن الاختلاف سنة كونية أوجدها الله لأسباب لا نحيط بها، ثم العودة لسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وتعامله مع المختلف ومنهم مشركو مكة.