سياسة وأمن » حروب

أمريكا أمدت السعودية بقنابل عنقودية أبادت الآلاف باليمن

في 2016/06/16

استنكرت الأمريكية «ماري ويرهام»، مديرة قسم الأسلحة بمنظمة «هيومان رايتس ووتش»، مؤخرا، في تقرير مطول  الولايات المتحدة الأمريكية لموقفها الداعم للسعودية في العمليات العسكرية ضد اليمن، وإمدادها بالذخائر العنقودية «سي بي يو 105»، رغم اتفاق 108 دولة على معاهدة حظر هذا النوع الفتاك من الأسلحة عام 2008 مما رفع عدد الضحايا باليمن منذ مارس/آذار 2015 حتى اليوم إلى آلاف الضحايا.

وكانت أمريكا أوقفت التعامل بهذا النوع من القنابل المحرمة دوليا مع السعودية، الجمعة الماضي، بعد تزايد أعداد القتلى بحسب «فورين بوليسي».

وأكدت «ويرهام» عدم مشاركة أمريكا في الاتفاق، وهي المصنعة لهذا النوع من القنابل الاستشعارية المنضوية تحت اسم العنقودية، ولا السعودية المستخدمة لها، مع الإخلال بشروط الاستخدام في التوقيع على الاتفاقية، بخاصة مع توقف أمريكا عن إنتاج هذا النوع الأخير من القنابل المحرمة دوليا بعد عامين فقط.

وأضافت «ويرهام» الفائزة بجائزة نوبل للسلام عام 1997 مناصفة: «إن خبرا تسرب قبل عطلة نهاية الأسبوع الأول من يونيو/حزيران الجاري، بوقف التعامل بهذا النوع من الأسلحة مع السعودية، وليس عبر بيان صحفي، مما يزيد الأمر تعقيدا»، على حد قولها.

وأكدت: «يدل هذا على أن إدارة أوباما ليست صماء تجاه الأصوات الناقدة لدعمها السخي لعمليات السعودية العسكرية في اليمن، لم ترتفع أصوات النقد إلى بعد ارتفاع عدد الضحايا المدنيين إلى آلاف، وتعرض اقتصاد البلاد وبنيتها التحتية للدمار».

انتقادات عارمة

وقالت «ويرهام»: «أشعل استخدام القنابل الاستشعارية من نوع سي بي يو 105 وغيرها من الذخائر العنقودية المحظورة خلال العام الماضي في اليمن من قبل قوات التحالف بقيادة السعودية موجة انتقادات عارمة». 

وأضافت: «في 2007-2008 لم تنخرط أمريكا في مسار أوسلو للتفاوض بشأن معاهدة دولية لحظر الذخائر العنقودية، اعترضت على هذه العملية الدبلوماسية غير التقليدية التي قادتها النرويج خارج أروقة الأمم المتحدة، ولأن أمريكا أنتجت الذخائر العنقودية ونقلتها واستخدمتها على نطاق واسع، فهي حتما تعتقد في فوائدها العسكرية».

وأسهبت «ويرهام» في نقل وجهة نظرها إذ أكدت على أمريكا عن قلقها إزاء المعاهدة عن طريق حلفائها المشاركين في المفاوضات مثل كندا واليابان والمملكة المتحدة، بعد أسبوعين من اعتماد أكثر من 100 دولة للمعاهدة بدبلن في 30 مايو/أيار 2008، وافقت إدارة «بوش» على توجيه ملحوظة صغيرة لتعديل سياسة البنتاغون في الأسلحة، تلزم هذه السياسة أمريكا بعدم إنتاج أو نقل أو استخدام الذخائر العنقودية التي تخلف أكثر من 1% من الذخائر غير منفجرة بعد 2018.

ونددت باعتقاد إدارة «أوباما» أن تنفيذ هذه السياسة على الطريق الصحيح، رغم عدم وجود معلومات من وزارة الدفاع بشأن هذه العملية، قائلة «تعتبر الآثار المترتبة هامة باعتبار أن 99% من مخزون الولايات المتحدة لا يفي بمتطلبات 1% من الذخائر غير المنفجرة في أمريكا، وكان يجب تدميرها، وبحلول فبراير/شباط 2015، أزال البنتاغون نحو 221502 طن من الذخائر العنقودية من المخزونات النشطة، ووضعها في أماكن خاصة لتدميرها، في حين سيضاف 250224 طن بحلول 2018، الموعد النهائي للسياسة الجديدة».

ميزانية وإصرار

ورغم ما سبق كله لم تتخل أمريكا عن إنتاج هذا النوع من الأسلحة، وذكرت رئيسة قسم الأسلحة بـ«هيومن رايتس ووتش» أن أمريكا خصصت جزء من الميزانية لإنتاج ذخائر عنقودية جديدة لمخزونها في 2007، ولا تزال تسمح بنقل هذه الأسلحة بموجب لوائح قانون تصدير يعود إلى ديسمبر/كانون الأول 2007 محكوم بشرطين: أولا ألا يتجاوز هامش عدم الانفجار 1%، وثانيا أن يلتزم المستلم بقيود استخدامها، وبالتحديد عدم استخدامها في مناطق مدنية، وفقط ضد أهداف عسكرية واضحة.

من ناحية أخرى، أظهرت إخطارات من الكونغرس الأمريكي منذ عام 2008 أن أمريكا صدرت قنابل استشعارية من نوع «سي بي يو 105» إلى الهند والسعودية وكوريا الجنوبية والإمارات العربية المتحدة وتايوان، مع عدم التأكد من استخدامها وفق المعايير التي حددتها أمريكا لهذا.

وكانت السعودية أول من اعترف باستخدام هذا السلاح من بين بقية تلك الدول، وظهر أول دليل بعد أسبوعين فقط من الحملة الجوية في اليمن التي بدأت في نهاية مارس/آذار 2015، حيث نشر سكان محليون صورا وفيديوهات للسلاح المستخدم في اليمن في وسائل التواصل الاجتماعي، وتم تحديد مواقع الهجوم ومقارنتها بتحليل صور الأقمار الصناعية.

وذهب باحثو «هيومن رايتس ووتش» خلال العام الماضي 4 مرات في مهمات بحثية إلى اليمن، ووجدوا أدلة على 5 هجمات على الأقل استخدمت فيها قنابل استشعارية من نوع «سي بي يو 105» في أربع محافظات، في حين سجلت «منظمة العفو الدولية» هجوما في يونيو/حزيران 2015 استخدم القنابل الاستشعارية من نوع «سي بي يو 105»، ونشرت الأدلة في عديد من التقارير التي جذبت تغطية إعلامية كبيرة، ما أثار غضبا وإدانة واسعتين.

اعتراضات

وقد ساهمت أطراف كثيرة في حملة التحذير من استخدام الذخائر العنقودية في اليمن العام الماضي، وخصوصا في الأسابيع الأخيرة، وقدم أنصار منع تصدير هذه الأسلحة في الكونغرس من الديمقراطيين والجمهوريون عدة مبادرات تشريعية بعد  أن قدمت منظمة «موف أون» (MoveOn) التماسا  للتوقف عن نقل الذخائر العنقودية إلى السعودية.

ووجد باحثوا «رايتس ووتش» أمثلة عديدة لقنابل استشعارية من نوع «سي بي يو 105» لم تعمل بشكل يؤكد احترامها لهامش خطأ يقدر بـ1%، كما وجدوا أن «العبوات» الأربعة (أو 2 منها) أو الذخائر الصغيرة المشدودة إليها لم تنفجر.

من جهته، قال رئيس «تكسترون» التنفيذي إن الأسلحة كانت تعمل بالضبط كما صممت، دون أي تهديد للمدنيين لأن الذخيرة لم تحدد موقع مركبة مستهدفة وهي في الهواء فعطلت نفسها على الأرض.

وأضاف: «عمليا قتل 3 عاملين يمنيين في إزالة الألغام أثناء تأدية واجبهم الشهر الماضي، وأولئك الباقون لا يمكنهم مواكبة التلوث الجديد الذي يحتاج إلى تنظيف، يترك هذا الأمر خيارا آمنا واحدا للسكان المحليين وهو ترك البقايا في مكانها إلى أن تأتي المساعدة، ليس للمدنيين وسيلة لتقييم وضع الذخائر الصغيرة التي لم تنفجر من نوع (سي بي يو 105)».

وتنكر الدول التي لا تريد أن يفتضح أمرها استخدام الأسلحة المحرمة أو أنها غير محظورة، ونفت السعودية بشكل متكرر استخدام الأنواع الستة الأخرى من الذخائر العنقودية التي وثقت في اليمن، وأكدت أن الذخيرة من نوع «سي بي يو   105» ليست ذخائر عنقودية محظورة، كما تدعي «تكسترون» الشركة المصنعة.

وتصف وزارة الدفاع الأمريكية القنابل الاستشعارية من نوع «سي بي يو 105» على أنها ذخائر عنقودية، رغم أنها لا تعتبرها محظورة.

وتقر الإمارات شريكة السعودية في التحالف أنها تلقت قنابل من نوع «سي بي يو 105» في الماضي، ولكنها تنفي بشكل قاطع استخدامها في اليمن لأنها محظورة بموجب اتفاقية الذخائر العنقودية.

وبدلا من تقديم الأعذار، اتخذت أمريكا الآن طريقا مبدئيا للرد على الانتقادات التي أثيرت بشأن الضحايا المدنيين للذخائر العنقودية الأمريكية المستخدمة من قبل قوات التحالف بقيادة السعودية، اعترفت الولايات المتحدة بمخاوف تضرر المدنيين وعلقت نقل الذخائر العنقودية في المستقبل إلى السعودية.

ويشير هذا إلى تحول في فهم العالم لهذه الأسلحة، حتى الدول التي لا تزال خارج المعاهدة الدولية التي تحظر هذه الذخائر.

وفي ذات السياق، أدلى مسؤولون أمريكيون في إدارة «أوباما» بتصريحات ودعموا قرارات تدين استخدام الذخائر العنقودية مؤخرا، في سوريا وأوكرانيا على سبيل المثال، مشيرين إلى أن  أمريكا استخدمت الذخائر العنقودية مرة واحدة فقط منذ غزو العراق عام 2003، في هجوم عام 2009 بصواريخ كروز مزودة بذخائر صغيرة في اليمن.

وتبقى أمريكا أكبر مساهم في برامج إزالة الألغام والمتفجرات من مخلفات الحرب في جميع أنحاء العالم، حيث يبرز قرار وقف نقل الذخائر العنقودية أن استخدامها لا يتوافق مع الالتزام الأخلاقي المتنامي الذي يرمي للمساعدة في التعامل مع الذخائر غير المنفجرة حول العالم.

واختتمت «ويرهام» تقريرها قائلة «هل ما تزال أمريكا ترى أن القيمة العسكرية للذخائر العنقودية تفوق الضرر الذي يلحق بالسكان المدنيين؟ اتخذت إدارة أوباما خطوة أولية في الاتجاه الصحيح، بعد اصغائها للاهتمامات الإنسانية».

وأوقف البيت الأبيض توريد القنابل العنقودية إلى السعودية بسبب القلق الذي أثاره عدد القتلى المتزايد بين المدنيين في اليمن بحسب مجلة «فورين بوليسي».

وكشفت المجلة، الجمعة الماضي، اعتراف مسؤولين أمريكيين بأن القرار اتخذ نتيجة قلق واشنطن من عدد الضحايا الكبير بين المدنيين في اليمن بسبب القصف الجوي السعودي.

وبحسب المجلة، قدمت الولايات المتحدة للسعودية قنابل عنقودية بملايين الدولارات في السنوات الأخيرة.

وكالات-